بغداد بوست - أخبار العراق - Iraq News

نينوى مدينة الشمس.. لمحة تاريخية عن مدينة ظلمت كثيرًا

نينوى

أخبار العراق

كانت نينوى والمناطق المحيطة بها مأهولة بالآشوريين، الّذين تركوا خلفهم حضارةً لا يُستهان بها، ما زالت آثارها ماثلة حتى يومنا هذا، حيث عُدت نينوى بلادًا للمدارس اللاهوتيّة والرهبان، وكانت مقصدًا للدارسين والباحثين عن نور السيد المسيح عليه السلام، فكانت نينوى مسقط رأس العديد من القديسين كـ(مار ميخائيل، ومار إسحق النينوي) وغيرهم.

 

سقطت المدينة تحت سيطرة حكم الساسانيّة، الذي دام طويلًا وجرّدها من هويتها الآشورية، وجرّ المدينة للفقر، فقام السكان بالانتقال إلى الضفة الأخرى من نهر دجلة التي تُعدّ الأكثر أمانًا لوقوعها على مرتفعٍ، وأطلق عليها الموصل بعد الفتح الإسلامي لها.

 

الأسماء التي أطلقت على المدينة

 

قام العرب القادمون من بلاد شبه الجزيرة العربية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، بفتح مدينة نينوى بقيادة القائد (ربعي بن الأفكل)؛ حيث أسقطوا الساسانيين فيها، وأطلقوا عليها اسم الموصل لأنها كانت تصل بين بلاد الشام وخورستان (بلاد الشمس) بالكردية، كما أطلق العرب عليها اسم (الحدباء) لوجود منارة الحدباء في المسجد النوري الكبير الذي فجره داعش الإرهابي، وكذلك لتحدّب مسار نهر دجلة الذي يمر بها، كما أطلق عليها اسم (أم الربيعين) لأن الخريف فيها كان كالربيع بالإضافة للربيع.

نينوى هي محافظة تقع في شمال العراق، ويطلق على مركزها اسم مدينة الموصل، تعود نشأة المدينة إلى الألفية الخامسة قبل الميلاد، ونظرًا لطبيعتها الزراعية، فقد استوطنها الإنسان القديم، ومن ثمّ سكنها الآشوريون حيث اتخذوا منها عاصمةً لهم.

تقع نينوى في شمال غرب العراق، على الحدود السورية من جهة الغرب، وتبلغ مساحة المحافظة 32.308 كيلو متر مربّع.

 

تتميّز المدينة بظروف مناخية متميزة؛ حيث تمتاز بطول فترة الربيع فيها، الذي يقطعها إلى فترتين، فترة الخريف الربيعي وفترة الربيع، ويختلف مناخ المنطقة باختلاف تضاريسها؛ حيث تتميّز المنطقة بتنوع تضاريسها، يخترقها نهر دجلة من الشمال للجنوب بشكلٍ متموج، حيث يقسم المحافظة إلى قسمين، وتقسم تضاريس المحافظة إلى المنطقة المتموجة والهضاب والتلال، ومنطقة الجبل.

 

كان يقام في المحافظة قبل الاحتلال الأميركي للعراق سنة 2003 مهرجانٌ سنوي يُسمّى مهرجان الربيع، الذي يحتفل فيه سكان المحافظة بقدوم الربيع، ويصادف المهرجان الـ 15 من نيسان في كل عام.

ولتركيبة نينوى العرقية والقبلية تأثير كبير في بلورة العراق الجديدة، فهي تعد فسيفساء لأيقونة تجمع فيها الأديان المسلمة بسنتهم وشيعتهم والمسيحية والإيزيدية والقوميات ذات الأغلبية العربية، يليها الكردية فالتركمانية والشبكية والكاكائية، والتي تشكل عراقًا مصغرًا عاش الجميع بتعايش طيلة حقبٍ زمنيةٍ متعددة.

منذ 2003 وحتى اللحظة، عانت نينوى بعمومها -والموصل بخصوصها- من التهميش، فجميع من تعاقب على الحكم في العراق لم يولِ أي اهتمامٍ يذكر بثاني أكبر محافظات العراق من حيث السكان، فالموصل كانت قبل الاحتلال الأميركي تسمى بسلة خبز العراق، فمروجها الخضراء ومساحاتها الزراعية الشاسعة كانت المورد الرئيسي الكافي لتأمين قوت الشتاء من القمح لكل العراقيين من الشمال إلى أقصى الجنوب، لكنها تركت ما بين الأبنية البالية والإرهاب الذي دق إسفينه فيها منذ 2004 وحتى اللحظة، وأوجد فجوة بين الأهالي والحكومة، ودخلت الطائفية والتهميش والإبعاد بحجج وأساليب، فكانت أولى التهم التي رميت بها أن الموصل مدينة صدامية بعثية، وبعدها تحولت إلى قاعدية، لتصل إلى أن تكون داعشية، هكذا اتهمت ممن يجهل ما هي الموصل ومن هم أهلها، ولم نر نقاشات ومعالجات طيلة السنوات الفائتة حول سبب ما يحدث في الموصل هكذا، ولماذا هي خارج تفكير الحكومة، خصوصًا أن لها ثقلًا سكانيًا كبيرًا، فضلًا عن أنها متعددة الطوائف والأديان والمذاهب، وقد تتحول إلى قنبلة موقوتة، وهذا ما حدث عند دخول داعش الإرهابي لها، أما اليوم فها هي نينوى بشكل عام، والموصل بشكل خاص، على مفترق طرق في نهاية حقبة مريرة قد تغير موازين ما حدث لها بوساطات دولية وإقليمية على شاكلة استثمارية اقتصادية، بعدما دفعت فاتورة الحرب الضروس، وعليها أن تقرر مصيرها سياسيًا بواسطة جيل سياسي جديد يفكر بطريقة مدنية صرفة لإدارة دفة الحكم المدني فيها بطريقة حضارية تتناسب مع الحكومات الحالية في الدول المتقدمة، فالموصل تملك طاقات شبابية ورجال دولة لم يأخذوا فرصتهم بعد.

ما حل بمدينة الموصل خلال سيطرة داعش الإرهابي عليها منذ أكثر من 3 سنوات كثير على الصعيد الإنساني والعمراني والبنى التحتية، فقد طال الخراب أغلب مرافئ الموصل.

 

وبمقارنة بسيطة، فإن الموصل قبل 2014 كان فيها 5 جسور رئيسية تربط جانبي المدينة الشرقي والغربي اللذين يقسمها نهر دجلة إلى قسمين، غير أن الجسور الخمس دمرت أثناء العمليات العسكرية لاستعادة الموصل، وغير الجسور هنالك 4 جسور فرعية على نهر الخوصر، أحد روافد دجلة في الجانب الأيسر، دمرت أيضًا.

لم تبق أي دائرة حكومية لم تطلها يد التخريب من حرق وغيره، غير أن الكارثة بتدمير أغلب مستشفيات الموصل ومجمعها الطبي الكبير، فقبل 2014 كانت هناك مستشفيات كبرى في جانب المدينة الأيسر، دمر اثنان منها، هما مستشفى السلام صدام سابقًا والخنساء، أما الجانب الأيمن فقد دمر المجمع الطبي الكبير، والذي يشمل أربعة مستشفيات عملاقة تصل سعة الواحدة منها إلى أكثر من 300 سرير، والمستشفيات هي ابن سينا والجمهوري والبتول والعام.

وإذا ما تحدثنا عن مساجد الموصل، والتي تعرف المدينة بعراقة مساجدها وقدمها، فقد أمر داعش الإرهابي بعد سيطرته على المدينة مباشرة في 10 من حزيران سنة 2014 بإخلاء عشرة مساجد تاريخية على الأقل في مدينة الموصل، تمهيدًا لتدميرها فيما بعد، وتوعد بإعدام كل من يوجد داخل تلك المساجد.

وقام بهدم تلك المساجد تباعًا، بسبب وجود "أضرحة" بالقرب منها، معتبرًا أنها "تخالف الشريعة الإسلامية"، ويرجع تاريخ إنشاء معظم تلك الأضرحة إلى القرن الحادي عشر، وتتضمن عددًا من أقدم المساجد في الموصل، كما تحتوي على مجموعة من المقتنيات التاريخية.

ومن أهمّ معالم المحافظة، جامع النبي يونس (يونان)، والذي قام داعش الإرهابي بتفجيره إبان سيطرته على المدينة سنة 2014، وكان قد تمّ بناؤه فوق كنيسة القديس يونان على التلة ذاتها في الجزء الشرقي من مدينة الموصل، كما يوجد بها جامع (الخضر) الذي قام بمرافقة النبي موسى، كما يوجد في المدينة الجامع الكبير، الذي يحتوي المنارة الحدباء وجامع النبي جرجيس، وأيضًا جامع النبي شيت الذي تمّ اكتشافه عام 1057 للهجرة، كل هذه الشواخص التاريخية أضحت اليوم من الماضي بفعل تدميرها الممنهج من قبل عناصر التنظيم، وبها مدينة الحضر ونينوى الأثريتان.

 

كذلك توجد في المدينة قلعة باشطابيا التي بنيت في عهد (النمرود) بدر الدين لؤلؤ، كما توجد بها المكتبة الآشوريّة والعديد من المواقع التاريخية الإسلاميّة.

المفارقة أن التنظيم الإرهابي لم يفجر غير كنيسة واحدة، وهي كنيسة الساعة الأثرية في المدينة القديمة، والتي يعود إنشاؤها إلى العصور الوسطى، واكتفى بإزالة الصلبان من باقي الكنائس، حيث يوجد في الموصل أكثر من 10 كنائس باقية شاخصة إلى في مكانها لكنها مهجورة تمامًا.

وإذا ما تحدثنا عن الجانب الإنساني في المدينة، فقد كلفت الحرب الأخيرة لاستعادة الموصل وقبلها من سيطرة الظلاميين على المدينة، مدنية الموصل، الكثير من الخسائر في الأرواح والممتلكات، ناهيك عن النزوح الكبير من مركز المدينة والقرى والأقضية المحيطة بها، وبالرغم من تأكيد الجهات الإغاثية على صعوبة إيجاد إحصاء دقيق لعدد النازحين بعد أحداث الموصل في الـ10 من حزيران سنة 2014، إلا أن وزارة الهجرة والمهجرين العراقية أكدت أن آخر تقديراتها تشير إلى وجود مليون و250 ألف شخص تركوا منازلهم في مناطق مختلفة جراء الاشتباكات والمعارك والتهجير القسري للأبرياء الذين تركوا كل شيء بحثًا عن الحرية المنقوصة في بلاد ما بين النهرين.

هناك يجاهد أبو محمد من أجل إنهاء يومه بشق الأنفس في مخيم "حمام العليل" للنازحين المنشأ حديثًا جنوب مدينة الموصل، والخاص باستقبال نازحي أيمن المدينة، حيث اجتمعت عليه محنتا فقدان رجله جراء تفجيرٍ لداعش الإرهابي قبل سنوات، والعيش في خيمة لا تقيه، حتى من العواصف التي تجتاح المنطقة بين فترة وأخرى، في حين يسهر حفيده على حمايته في الليل خوفًا من تعرضه للدغات الثعابين والعقارب التي تنتشر في هذا المكان.

وصل أبو محمد إلى مخيم مجبرًا بعد أن ترك منطقة وادي حجر في الجانب الأيمن من مدينة الموصل بسبب اشتداد المعارك هناك، بصحبة زوجه وولده المعتقل في بغداد من قبل الحشد الشعبي وحفيده البالغ عمره 6 سنوات، والذي يقوم بمهام المرافق لجميع نشاطات جده اليومية.

ولا تختلف معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة في مخيم "حمام العليل" عن معاناة أبي محمد، إلا بنوع الإعاقة، إذ أن المحظوظ منهم يكون لديه معيل يساعده على شؤون حياته اليومية، وهو ما لم يتوفر عند بعض من الذين فقدوا أطرافهم في الحرب العراقية الإيرانية ونزحوا من الموصل، لا يقيهم لهيب شمس العراق اللاهبة شيء.

نحتاج حقًا إلى ترسيخ فهم الإنسان والإنسانية، قبل أن نبني ونعمر الحجر، فمع اتفاق الجميع على الرمزية العالية التي تحملها المنارة بحدبتها التي أضحت رمز المدينة الشاخص وغيرها من الشواخص التاريخية التي دمرت، فضلًا عن تدمير البنى التحتية للمدينة، إلا أننا يجب أن نتوقف عند كل الدماء التي سفكت بغير حق، وبالدرجة الأساسية الأبرياء من المدنيين، فدموع الأطفال والنساء الثكالى بفقدهم لعزيز وغالٍ كافية بأن نتوقف كثيرًا ونفكر طويلًا، فرائحة الموت تجول كل أزقة الموصل بأحيائها القديمة والجديدة.

سلامًا على حدبائنا التي أسقطت كل الظلاميين معها، والخلود للأبرياء من المدنيين الذين قضوا وهم لا يعلمون لماذا حدث ذلك.

م.ج

م م

أخر تعديل: السبت، 14 تشرين الأول 2017 07:15 م
إقرأ ايضا
التعليقات