بغداد بوست - أخبار العراق - Iraq News

كيف يخرج السلام الإقليمي الفلسطينيين من الدائرة المفرغة؟ .. خبير سياسي يجيب

1020201719832272940134

قبل 18 عاما، وتحديدا في السادس عشر من نوفمبر 2012، نشر رئيس جامعة القدس، أستاذ الفلسفة فيها، الدكتور سري نسيبة، مقالا بدا في حينه صادما بقوة استنطاقه للمأزق الفلسطيني.

وطرح د. نسيبة مقالته بعنوان ”كيف تكون لك الغلبة وأنت المغلوب على أمرك؟“.
وكان رأيه أن “ الرد على السؤال بسيط ومعقد معا، وفيه سر الغلبة للمغلوب على أمره. فهو بسيط لأننا نحن الجهة المعنية أصلا بمصلحتنا العليا، وهو معقّد لأن كبت الغضب يحتاج إلى إرادة صلبة وجهاد نفسي حقيقي، يرغم العاطفة على الإذعان للعقل“.
مع قرب انتهاء مأمورية مجلس الأمة.. ما مدى إمكانية تعديل "قانون الصوت الواحد" في الكويت؟
يومها ختم نسيبة مقالته بالقول: ”إنني إذ كنت توجهت بهذا الكلام سابقا وفي أكثر من مناسبة خلال العامين الأخيرين، فإنني أعود للتأكيد عليه في الوضع الراهن، تحملا لمسؤوليتي بالدرجة الأولى كمواطن فلسطيني يشهد ما يشهده، ويشعر ما يشعره، ويعقل ما يعقله، متخوفا من أن لا يقود الطريق الآخر إلا إلى الهلاك والنـزيف المستمر“.
السلام الإقليمي الذي يُعزز السلام الفلسطيني
هي نفسها القناعة التي لا يزال نسيبة يؤمن بها، وهو الذي شارك في القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة الفلسطينية الأولى، وتعرض للاعتقال الإداري عام 1991 في سجن الرملة.
وفي تصريح له ، بمقر ”مجلس القدس للتطوير والتنمية الاقتصادية“ الذي يرأسه،  يستعيد نسيبة قناعته التي لم يبارحها وهي أن ”السلام الحقيقي الذي يُخرج الفلسطينيين من حالة التيه والعجز والمراوحة، هو السلام الإقليمي الذي يُعزز السلام الفلسطيني الإسرائيلي“.
وفي تأصيل هذه القناعة واقتضاء الاحتكام لها الآن، يعرض نسيبة كيف أن الفلسطينيين قدموا أنموذجا أمميا مشهودا في إستراتيجية الصمود  حتى سلّم الشعب الفلسطيني أدوات مقاومته للاحتلال إلى السلطة الفلسطينية، لتبدأ مرحلة جديدة مختلفة للصمود، بأمل بناء مؤسسات للدولة كان يفترض أن تقوم بها السلطة.
ويوثق نسيبة أن  ظواهر الانشقاق التي تنامت في الصف الفلسطيني، والتباين في المواقف والأهداف، وما اعتراها من توجّه اهتمامات القائمين على السلطة، كان بهدف تحقيق مصالح جانبية بعضها ذاتية، كما يقول.

ويبني د. نسيبة على ذلك، وعلى حجم المعاناة اليومية للشعب الفلسطيني، قناعة بأن ”هذا الشعب، خاصة المتواجد تحت الاحتلال، بات بأمس الحاجة لاستعادة تلك الإرادة وتلك السيادة التي كان يمتلكها وسلمها للسلطة“.
ويقصد نسيبة في ذلك أن ”يسترد الشعب الفلسطيني إرادته، ويعيد تشكيل قيادة جماهيرية جديدة، تمثّل طموح الشعب واحتياجاته، وتستطيع أن تقوده نحو أهداف وطنية واضحة“.
لكن فسحة الأمل والمراهنة على هذا الحلم الوطني، لا تبدو مشجعة كفاية، برأي د. نسيبة الذي يكاد يقول إن التغيير والإصلاح مهمة مستحيلة، رغم ارتفاع الصوت للمطالبة بها .“لا نرى استجابة من القيادة. فالوضع الراهن هو خلاصة تعثّر العملية السلمية، وانصراف الجهات الفلسطينية الحاكمة إلى الخلافات الصغيرة والجانبية التي أنتجت إقليمين فلسطينيين في الضفة وغزة. ولإدامة البقاء في الحكم ، كان استخدام الأجهزة الامنية لمنع الصوت الحرّ من التعبير عن نفسه، وهو ما جعل الجو السياسي إقصائيا، أدواته هي الشعارات الرنانة“ كما يقول.
المأزق الذي صنعته القيادة
في عضويته القيادية السابقة بحركة فتح وفي القيادة الموحّدة، يمتلك   د . نسيبة شواهد على المأزق الذي صنعته القيادة الفلسطينية بعدم إلمامها بكيفية إدارة المفاوضات، وكيفية تسيير العلاقات الدولية والإقليمية على نحو يسند الموقف الفلسطيني.“ هذا بدوره ساهم في الوصول إلى حالة الشلل، والإيغال في التشقق السياسي والمجتمعي الذي عبّأ الأرضية لتحقيق مصالح جانبية ليس لها علاقة بإقامة الدولة،“ كما يقول .
لذلك كانت النتيجة التي يراوح بها الشعب الفلسطيني الآن، وهي كما وصفها   د. نسيبة “ تغليب الشعارات على العقل، لتصبح العقول التي يزخر بها المجتمع الفلسطيني، مُغيّبة ومُغرّبة، فيما تأنس القيادة إلى سماع ما تريد سماعه، لا ما يتوجب إسماعه لها.“ .
الدكتور سري نسيبة ( مواليد 1949) حائز على شهادة الفلسفة من جامعة أكسفورد، والفلسفة بالإسلام من جامعة هارفرد، هو نجل أنور نسيبة الذي كان عضوا في اللجنة العربية العليا بالقدس، ووزيرا بأول حكومة فلسطينية شكّلها الحاج أمين الحسيني بعد 1948، ومحافظ القدس في الحكومة الأردنية. ففي تاريخ آل نسيبة بالقدس أنهم توارثوا المشاركة في عُهدة مفاتيح كنيسة القيامة والتناوب على فتحا وإغلاقها يوميا.
موقع التنمية الاقتصادية في الصمود والسلام
قبل عامين تقريبا، أسس د. نسيبة مع ناشطين آخرين في العمل الاجتماعي ، “ مجلس القدس للتطوير والتنمية الاقتصادية“ للنهوض بمسؤولية تقديم الخدمات للسكان المقدسيين في غياب المؤسسات الأهلية والحكومية.
في تشخيصه لحجم المعضلة المعاشية والاقتصادية التي يعانيها الشعب الفلسطيني، يستذكر د . نسيبة أن اتفاقية باريس التي كانت وقعتها السلطة الفلسطينية مع إسرائيل، جاءت بالتأكيد غير منصفة، كونها رهنت الاقتصاد .
ومن هنا تأتي الأهمية المضاعفة للسلام الاقليمي الذي يراه د. نسيبة جوهريا في حياة الشعب الفلسطيني للخروج من متاهة الارتهان والمراوحة، و حيويا للإجابة عن السؤال الكبير الذي طرحه قبل 12 سنة ويكرره الآن بالحيرة عالية الصوت:“ إلى أين تذهب بنا القيادة الفلسطينية؟“.

إقرأ ايضا
التعليقات