بغداد بوست - أخبار العراق - Iraq News

بمادة واحدة من مرسوم غير دستوري للسفاح البعثي .. قطع أرزاق 40 ألف موظف سوري

السفاح البعثي بشار الاسد

 

مادةٌ قانونيةٌ واحدة صدرت بمرسوم رئاسي مس سفاح سوريا عام 2012 حوّلت عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين إلى عاطلين عن العمل، دون أن يحصلوا على رواتبهم المتأخرة، أو مستحقات نهاية خدمتهم، والأخطر من ذلك أنها وصمتهم بـ"الإرهاب".

ورغم أن تطبيق هذه المادة بحدّ ذاتها يرتبط بصدور حكم قضائي قطعي مسبق، إلا أن صلاحيات أخرى مُنحت لرئيس الحكومة، عبر مادة قانونية أخرى، تتيح له اتخاذ قرار بصرف الموظفين، جعلتها ذريعة لممارسة عقاب غير مبرر قانونياً.

هكذا، فوجئ مدير مدرسة "نبع الصخر"، التابعة لمحافظة القنيطرة، محمد مطلق الدلي (56 عاماً) بأنه لم يعد موظفاً حكومياً، بعد 33 عاماً  من خدمته، إذ صدر قرار بتاريخ 22/6/2017 من رئيس مجلس الوزراء (السابق عماد خميس) يقضي بصرفه من الخدمة وإيقاف مستحقاته التقاعدية.

الدلي الذي صُرف بقرار إداري، في مخالفة واضحة للسلطة التنفيذية بتجاوزها للسلطة القضائية، كان قد بقي على رأس عمله طيلة فترة خروج المحافظة عن سيطرة الحكومة بين عامي 2014 و2018. ورغم أن دائرة شؤون العاملين في مديرية تربية القنيطرة أكدت على ذلك مراراً بكتب رسمية مُوجهة لوزارة التربية، لم يُعَد النظر في قرار فصله، ما اضطره لرفع دعوى قضائية لم يُبت فيها حتى كتابة هذا التحقيق.
وبحسب مصدر رسمي في إدارة قضايا الدولة (رفض الكشف عن اسمه) فقد بلغ عدد قضايا الصرف من الخدمة المرفوعة في القضاء الإداري نحو 40 ألف قضية، أي أن أربعين ألف شخص من الموظفين السابقين في الدولة ينتظرون إنصافهم، بعد أن أصرت الحكومة على التعامل معهم باعتبارهم "إرهابيين".

ويكشف ذلك  أن الحكومة السورية خالفت نصوصاً في الدستور السوري وقانون العاملين الأساسي رقم 50 لعام 2004. والقانون 20 لعام 2012، الصادر بمرسوم تشريعي عن الرئاسة السورية، وذلك بصرف العاملين بشكل غير قانوني، وحرمانهم من مستحقاتهم التقاعدية، إضافة لرفع دعاوى ترك عمل على البعض منهم، ما أدى إلى تشريد الآلاف من الموظفين وتركهم من دون مصدر رزق.

عقاب سياسي
يؤكد على التعسف في استخدام المادة (1) من القانون (20) عضو مجلس الشعب محمد خير العكام الذي يرى أنها " استُخدمت بكثرة" منذ بداية الحرب في سوريا، داعياً لإحالة العاملين المصروفين من العمل إلى المحاكم المختصة.

بدورها، تُصر رئيسة إدارة قضايا الدولة المستشارة هدى الصواف على أن "المصروفين من الخدمة، وتحديداً من كانوا في المناطق المحاصرة، حصلوا على قرارات قضائية تمكنهم من العودة لعملهم، واسترداد مستحقاتهم المالية وفق النصوص القانونية"، موضحةً، من جهة أخرى، أن من ترك عمله نتيجة الأحداث أُعيد للعمل، ومن سافر خارج البلاد حُكم عليه بالسجن لمدة شهر وصرف من الخدمة.

لكنها، وسريعاً، تعود لتعترف بأنه ربما يكون هناك ظلم قد وقع بالفعل على العاملين في المناطق المحاصرة.


وفقاً لمدير إدارة التشريعات الوظيفية في وزارة التنمية الإدارية غياث فطوم فإن أسباب قرارات الصرف من العمل هذه كانت "سياسية". يوضح ذلك بالقول: "يُصرف العاملون من دون ذكر الأسباب الموجبة لذلك، ولا يمكن إعادتهم إلا بقرار موقع من رئيس الحكومة حصراً. ما يُعتبر حرماناً من الوظيفة العامة بلا مسوّغ قانوني".


إنها إذاً قرارات تعسفية غير مُعلّلة، على خلاف ما يجب أن تكون عليه القرارات الإدارية، بحسب ما يقول المستشار القانوني بشير عز الدين. والأمر يتعدى ذلك إلى ما يشكل مخالفة دستورية واضحة، إذ يلفت عز الدين إلى أن ربط إعادة العامل المصروف من الخدمة بموافقة رئيس الحكومة هي حرمان من حق دستوري يؤكد على أن جميع المواطنين متساوون في تولي الوظائف العامة، بحسب ما جاء في المادة 26 من الدستور.
مواصلة الدلي عمله خلال سنوات سيطرة الفصائل المسلحة على محافظته (القنيطرة) كانت بموافقة من اللجنة الأمنية فيها والمحافظ، إذ طُلب من جميع المدرسين في المحافظة الاستمرار في عملهم.
يشير الدلي إلى أن نحو سبعين مدرساً في المحافظة تم صرفهم من الخدمة مثلما حصل معه، وأن سبب صرفه يعود إلى تقارير كيدية من قبِل "حزبيين" في بلدته (أي منتسبين لحزب البعث الحاكم في سوريا) تتهمه بالقيام بأعمال ضد الدولة، والانتماء لفصيل إرهابي، تم تحويله على إثرها إلى محكمة الجنايات. ويقول ساخراً: "بعد خدمة لمدة 33 عاماً أصبحت إرهابياً".
وبانتظار أن ينصفه القضاء، يعتمد الدلي اليوم على العمل الزراعي "غير المجدي"، وفق تعبيره، لتحصيل دخل متواضع ينفق منه على أولاده الثمانية الذين ما زالوا على مقاعد الدراسة.
31 شكوى فقط في مجلس الشعب
بتهمة أخرى هي "الانقطاع عن العمل"، تم صرف المدرّس علاء (50 عاماً)، من مدينة دوما، من الخدمة وتحويله إلى القضاء الجزائي، رغم أنه في الواقع لم يترك عمله. دوما كانت قد وقعت تحت سيطرة "جيش الإسلام" وتمت محاصرتها لثلاث سنوات، لم يغادر خلالها علاء المدينة مرة واحدة لاستلام راتبه، خشية اعتقاله من قبل الأجهزة الأمنية، بحسب ما يقول. وبعد أن استعاد الجيش السوري المدينة ذهب إلى مديرية تربية ريف دمشق كي يحصّل رواتبه عن تلك السنوات، ليُفاجأ بقرار فصله.

ويعاقب القانون بالحبس من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات، وبغرامة لا تقل عن الراتب الشهري مع التعويضات لمدة سنة كاملة، كل من ترك عمله أو انقطع عنه في أي جهة من جهات القطاع العام أو المشترك قبل صدور الصك القاضي بقبول استقالته، وكذلك كل من اعتُبر بحكم المستقيل لتركه العمل أو انقطاعه عنه مدة خمسة عشر يوماً.‏

بعض المتضررين من هذه القرارات لجأ إلى مجلس الشعب (البرلمان) لتقديم شكواه، لكن منذ عام 2016 لم يتجاوز عدد هذه الشكاوى الـ31،  يطالب أصحابها بإعادتهم إلى العمل وإلغاء قرار الصرف. ويُفترض أن تقوم اللجنة بمتابعتها مع رئاسة الحكومة، ومع الجهة الإدارية المختصة، بحسب رئيسها عبود الشواخ.
لكن وفقاً لرئيس مكتب الشكاوى في المجلس نبيل ناجي فإنه "لم يأتِ أي رد حيال هذه الشكاوى سواء كان لجهة إعادة العامل أو عدمه"، ويقول: "هناك من يأتينا بقرار قضائي مُلزم بإعادته للعمل لكنه غير مُنفذ، فنقوم بطلب تنفيذ القرار من رئاسة مجلس الوزراء، أو من جهة العامل المصروف. ويتم تنفيذ القرار".
ويُرجع المحامي رضا حيدر انخفاض عدد الشكاوى المُقدمة لمجلس الشعب إلى "انعدام الثقة" به، ولكون غالبية الناس تعلم مسبقاً أن لا نتيجة من وراء الشكوى.
تهم غائمة
الصرف من الخدمة لم يكن مقتصراً على العاملين في المناطق الساخنة أو تلك التي كانت محاصرة. سميرة نوفل (53 عاماً) موظفة في مديرية استصلاح الأراضي في السويداء، صُرفت من الخدمة، بعد 28 عاماً من العمل الحكومي، بتهمة "إضعاف الشعور القومي والمس بهيبة الدولة، ووهن نفسية الأمة".
تقول سميرة: "قرار الصرف لم ينص على سبب واضح، لكن قرار المحكمة الإدارية نص على تلك التهم".

رفعت سميرة دعوى لدى القضاء الإداري في السويداء، وحصلت على حكم ببطلان التهم المنسوبة لها، وتعويضها بـ25% من قيمة راتبها عن الفترة التي أوقفت فيها من العمل، وإعادتها لعملها. لكن إدارة قضايا الدولة طعنت بالقرار وحوّلت قضيتها الى المحكمة الإدارية في دمشق، والتي حكمت لها بقرار يؤكد على صرف مستحقاتها التقاعدية. غير أن جهة عمل سميرة رفضت تنفيذ القرار القضائي.
يُعبّر عضو مجلس الشعب العكام عن انزعاجه من تهم كالتي وُجهت لسميرة، ومن الطريقة التي يُدار بها ملف "الصرف من الخدمة" الذي "يجب أن يُدار عبر القضاء المختص فقط، وليس عبر رئيس مجلس الوزراء"، مؤكداً أن على الحكومة احترام سيادة القانون ومبدأ فصل السلطات، وتنفيذ الأحكام القضائية المبرمة.

 

إقرأ ايضا
التعليقات