بغداد بوست - أخبار العراق - Iraq News

فتش عن إيران .. 3 دول تنهار عملتها أمام الدولار والأسباب واحدة

الدولار الليبي

تشهد بعض الدول الاقليمية في المرحلة الحالية، ظاهرة اقتصادية لافتة للنظر وهي ايران، سوريا، لبنان ، تتمثل في انهيار عملاتها الوطنية لأسباب تكاد تكون متشابهة، أمام الدولار الاميركي، ما ينذر بتداعيات سياسية – اجتماعية كبرى، ما لم تعالج بحكمة وسرعة.
ويتفق الخبراء على ان سعر عملة أي بلد تحدده معادلات العرض والطلب على هذه العملة، وكأنها سلعة ما في السوق، بينما تتحدد قوة العملة، اي عملة، بالميزان التجاري للبلد، فكلما كانت صادراته أكبر من الواردات، كلما كانت العملة أكثر قوة واستقرارا من خلال الطلب عليها، والعكس صحيح.
وبطبيعة الحال، فإن قيمة أي عملة تتحدد بالثروات والموارد الطبيعية كالغاز والنفط والمعادن كالذهب وغيرها التي يمتلكها وعلى حجم الاحتياطات النقدية التي يتمتع بها وقدرات البلد في الانتاج والتصدير.

لكن من المهم الاشارة الى ان عناصر سياسية واقتصادية بالاجمال، تتحكم ايضا بقوة العملة ومكانتها في وطنها وفي الخارج.
ومن الممكن ان يتحول التضخم الى سلاح مدمر لقوة العملة، اذ ان من المتعارف عليه انه كلما ازداد التضخم، ازداد اقبال المواطنين على شراء العملات الاجنبية الأكثر استقرارا، حتى لا يشاهدون مدخراتهم من العملة الوطنية تتلاشى قيمتها، وهو ما يؤدي الى تراجع قوتها وربما انهيارها، وهو ما يحدث بشكل واضح في سوريا ولبنان وايران.

لكن الدول الثلاث تلتقي أيضا عند ظاهرة أخرى خطيرة وهي انها لا تشكل استقطابا مشجعا للاستثمارات بسبب الاضطرابات السياسية التي تعيشها، فبسبب هذه المخاوف واحتمال ان يؤثر ذلك على حرية حركة رؤوس الاموال في الدخول والخروج الى اقتصاديات هذه الدول، يصبح المستثمرون أكثر حذرا في الاستثمار فيها وتحريك عجلة الاقتصاد واضفاء قوة على العملات الوطنية المتداولة.
وتواجه هذه الدول بشكل او بآخر، تدخلات خارجية قوية تؤثر في مناعتها الاقتصادية واستقرار عملاتها الوطنية.

وسبق للمرشد  علي خامنئي و بشار الاسد، ان اعلنوا مرارا وتكرارا ان بلادهم تتعرض لحروب اقتصادية، ولعقوبات اميركية او دولية مباشرة، كما في الحالات الايرانية والسورية، بالاضافة الى اللبنانية، ، وهي مؤثرات تخلف تداعيات قاسية على العملات الوطنية لهذه الدول في ما يشبه تأثير "الدومينو الاقليمي" اقتصاديا.
ايران
الريال الايراني سجل هبوطا حرا قياسيا بوصوله الى عتبة ال200 الف ريال مقابل الدولار، بعدما كان يعادل 32 الف ريال عندما ابرام الاتفاق النووي مع الغرب قبل خمسة اعوام.
وتجد الحكومة الايرانية نفسها أمام خيارات ضئيلة لمواجهة هذا الانهيار الذي تعززت ملامحمه بعد خروج الرئيس الاميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي بشكل أحادي، قبل نحو عامين.
فبعد سلسلة من العقوبات الاميركية، اصيبت صادرات ايران النفطية بشلل شبه شامل، وهي المورد الرئيسي للعملات الاجنبية، وشريان حياة الايرانيين وارتباطهم اقتصاديا بالعالم الخارجي. ومؤخرا، قال النائب الأول للرئيس إسحاق جهانغيري إن عائدات النفط الإيرانية تراجعت إلى 8 مليارات دولار من 100 مليار دولار في العام 2011.

وفي تقديرات صندوق النقد الدولي، فان الاقتصاد الايراني معرض لانكماش نسبته 6 بالمئة هذا العام، مقابل 7.6 بالمئة في العام 2019، وان يبلغ التضخم 34 بالمئة بعدما سجل اكثر من 41 بالمئة العام الماضي.
وقد تراجعت قيمة الريال بدرجة دفعت الايرانيين التهافت على ما يتوفر من دولار، والى البحث عن ملاذات آمنة لاموالهم المتلاشية بالعملة الوطنية من خلال الاقبال على شراء المعادن الثمينة أو العقارات التي بدورها جن جنونها مؤخرا، بحسب ما كشفت وزارة الاسكان والطرق الايرانية قبل ايام عندما تحدثت عن ارتفاع اسعار العقارات في العاصمة طهران بنسبة 23 بالمئة خلال شهر مايو/ايار الماضي وحده، وبنسبة 42 بالمئة خلال الفترة الممتدة من 21 مايو إلى 20 يونيو/حزيران من هذا العام، إذا ما قورنت بالفترة ذاتها من العام الماضي.
ومثلما أشرنا سابقا، فان انهيار قيمة العملة الوطنية، مثلما يجري في ايران حاليا، يتسبب في انهيار مواز بالقدرة الشرائية للمواطنين حيث ذكر المركز الإحصائي الإيراني مؤخرا، انها تراجعت بنسبة 34 بالمئة في العقد الماضي، بسبب الانخفاض الكبير الذي طرأ على سعر صرف العملة المحلية بفقدانها قيمتها بنسبة أكثر من 60 بالمئة.
سوريا
و تعيش الليرة السورية حالة تراجع واضحة منذ نشوب الحرب الأهلية – الاقليمية فيها العام 2011، لكن التراجع أخذ منحنى أكثر قوة في الاسابيع القليلة الماضية، بعدما لامس الدولار سعر 3 الاف ليرة للمرة الاولى، فيما كان يسجل قبل عشرة أعوام نحو 47 ليرة فقط.
وتجتمع عدة عوامل على الليرة السورية، من بينها  "قانون قيصر" الذي بدأت الادارة الاميركية بتطبيقه كعقوبات جديدة على سوريا، تعزز قبضتها على موارد السوريين وتمنع الارتباط تجاريا وماليا بالاقتصاد السوري، خصوصا من الدول الاقليمية، ما يسد أبواب الاستثمارات المحتملة لمرحلة اعادة الاعمار.
وكانت مشاريع الاستثمار الخارجية أحد الخيارات المشجعة التي تعقد الحكومة السورية الامال عليها، لتحريك العجلة الاقتصادية، بعد سنوات الحرب العشر، والتفلت من سلسلة من العقوبات الاميركية والاوروبية التي أعاقت وصول العملات الاجنبية بشكل كبير الى الداخل السوري
في البال ايضا، التعثر الاقتصادي الذي تعيشه ايران التي كانت أحد ركني السند الاقتصادي لسوريا، الى جانب روسيا، في مؤشر واضح على فكرة "الدومينو الاقليمي" التي أشرنا اليها، يعززها ايضا الانسداد الاقتصادي الذي يمر به لبنان، وتراجع مخزون الدولارات في البنوك اللبنانية التي كانت تشكل متنفسا مهما للحركة التجارية الالتفافية لسوريا على العقوبات والحصار.
يتسبب ذلك بشكل واضح في ذعر اصحاب رؤوس الاموال السوريين الذين اقبلوا بكثافة على اقتناء الدولار بديلا عن الليرة السورية، لضمان قيمة ما يمتلكونه، بالاضافة الى خوفهم من تأثرهم بعقوبات "قانون قيصر" الجديد. العقوبات الاميركية والاوروبية تطال مئات الشركات والمتمولين السوريين من بينهم رامي مخلوف، سامر الفوز، وسيم قطان، ياسر عزيز عباس، ماهر برهان الدين الإمام، عامر فوز، صقر رستم، عبدالقادر صبرة، خضر علي طه وعادل أنور العلبي.
وبعد عشرة اعوام من الصراع المسلح في سوريا والعقوبات الغربية والمقاطعة العربية، يعتقد الخبراء ان البنك المركزي السوري يعاني من نقص حاد باحتياطي العملات الاجنبية لاسباب اضافية من بينها تعطل ايرادات نشاط النقل البري والبحري والجوي بسبب كورونا، بالاضافة الى هبوط اسعار النفط عالميا، وخروج العديد من المناطق النفطية السورية من قبضة الدولة.
اذا الافتقار الى الدولار، فاقم الاقبال عليه حتى من جانب الحكومة المضطرة الى تأمين المستلزمات الضرورية لحياة المواطنين من الخارج بالعملة الاجنبية، ما رفع قيمة الدولار امام الليرة التي راجت تتدحرج تدريجيا.
ويأتي هذا الضغط الاضافي على الليرة السورية بعدما بلغت كلفة اعادة اعمار سوريا بحسب الامم المتحدة نحو 400 مليار دولار، وخسائر الحرب نفسها اكثر  من 500 مليار دولار. ومع تضييق الخناق على دمشق، ظهرت الليرة الضحية الاكثر وضوحا.

لبنان
ومن أجل فهم العوامل التي دفعت بالليرة اللبنانية الى هذا السقوط المرير، بعد ثباتها عند سعر 1500 ليرة مقابل الدولار منذ ما بعد نهاية الحرب الاهلية قبل 30 سنة، ووصولها اليوم الى اكثر من 6 الاف ليرة مقابل الدولار، لا يمكن تجاهل الاسس التي قام عليها النظام السياسي -الاقتصادي اللبناني.
فبعدما شيدت الأسس الاقتصادية للبنان على كونه مركزا للتجارة والخدمات الى جانب الاعتماد على بعض القطاعات الصناعية والزراعية، اعاد رئيس الوزراء الاسبق سعد الحريري صياغة المعادلة بالتركيز على تحويل لبنان الى مركز مالي وخدمات، وجرى تهميش القطاعات الحيوية الاخرى في الصناعة والزراعة تدريجيا، بينما قرر اعتماد سياسة تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وتقديم البنوك لأسعار فائدة مرتفعة لجذب الاموال والودائع من الخارج.
وحقق ذلك انتعاشا اقتصاديا لافتا في السنوات الاولى ما بعد الحرب، فيما كانت قطاعات انتجاية اخرى تنهار تباعا.

وكان لبنان كلما مر بأزمة مالية، تنعقد من أجله مؤتمرات وقمم انقاذ اقتصادية برعاية اميركية وسعودية وفرنسية وعربية على قاعدة المساعدة في سد العجز في موازنات البلد.

وفوجئ اللبنانيون في نوفمبر/تشرين الثاني العام 2018، بوزير المالية علي حسن خليل يعلن بشكل صادم ان خزينة الدولة خاوية من "أي ليرة"!
سياسة الاستدانة السهلة على مر السنوات، حولت لبنان الى أحد أكثر بلدان العالم من حيث نسبة الدَّين إلى حجم الناتج المحلي. وبحسب جمعية المصارف اللبنانية، فان الدَّين العام الخارجي كان يبلغ 91 مليار دولار في نهاية 2019.

وبينما يقترب الدولار الان من حاجز السبعة الاف ليرة وسط مخاوف من وصوله الى عتبة ال10 الاف ليرة، جرت عملية "شرعنة" للاستيلاء على اموال اللبنانيين من خلال بداية منعهم من سحب الدولار من ودائعهم نهائيا، ثم لاحقا السماح للفرد بسحب مئة دولار فقط من حسابه اسبوعيا، وصولا حاليا الى وضع سقوف محددة للسحب تختلف من بنك الى آخر، وذلك تحت شعار الترويج لليرة كعملة وطنية من الواجب دعمها.

الا ان ذلك جرى فيما سمحت بعض البنوك للاثرياء بالقيام بتحويل ملايين الدولارات من حساباتهم في لبنان الى الخارج، ما افقد الناس الثقة نهائيا بالليرة التي كانت تسجل تراجعا يوميا في وقت يسمح البنك المركزي، والحكومة، او يعتمدان، تسعيرات مختلفة للدولار، ما بين البنوك وشركات الحوالة وشركات الصيرفة، ما فاقم الارباك وانعدام الثقة بالعملة اللبنانية، مع محاولات للسيطرة على تحويلات المغتربين اللبنانيين من الخارج الى عائلاتهم بعملات الدولار واليورو وغيرها.
ولم يعد سعر الصرف القديم عند 1.500 متاحا سوى لواردات القمح والأدوية والوقود فحسب.

إقرأ ايضا
التعليقات