بغداد بوست - أخبار العراق - Iraq News

الكاظمي أمام جحيم 5 تحديات كبرى وملفات ملتهبة.. فكيف سيتعامل معها؟

81805386_613380899428586_2796054800964255744_n-1

منح  البرلمان الثقة  للحكومة  الجديدة، بعد شهور من الممطالة والتعثر، يضع    الكاظمي فورا أمام جحيم التحديات الكبرى، في لحظة حرجة من تاريخ العراق والمنطقة، أو كما يقول المتفائلون، أمام الفرصة الاخيرة، للخروج من مشهد التردي الحالي  اقتصاديا، سياسيا وأمنيا.


وتجتمع العديد من العوامل لتجعل من نيل الحكومة الثقة هذه المرة، أكبر من مجرد  خطوة التصويت البرلماني، اذ تتجسد فورا أمام الكاظمي، ووزرائه في الحكومة الجديدة، آمال وفرص وأزمات، ليس بمقدورهم سوى الانكباب عليها فورا، خصوصا مع الغليان  الذي يعيشه الشارع العراقي منذ شهور طويلة ومن أبرز هذه التحديات.


التحدي الاقتصادي

ولعل الملف الاقتصادي المعيشي هو الاكثر الحاحا بالنسبة للعراقيين، خصوصا ان  العراق غني بموارده النفطية، لكن شريحة كبيرة من المواطنين لا تشعر بعوائد هذه  الثروة. ووفقا لارقام متوفرة من وزارة التخطيط، فان نسبة الفقر كانت في العام 2018 تصل الى 20 في المئة. ومع تدهور الاوضاع الاقتصادية خلال العامين الماضيين،

فالمرجح ان النسبة ازدادت بحدة. وكان المسح الذي اجرته الوزارة أظهر ان نسبة الفقر في بعض المحافظات كانت اعلى من ذلك بكثير. فالمثنى مثلا سجلت 52 في المئة، والديوانية 48 في المئة، وميسان 45 في المئة.

وسيكون على الكاظمي ان يدقق في هذه الارقام، وغيرها، كثيرا في اللحظة الاولى من يوم دوامه الاول .

ولا يتوقع العراقيون منه اقل من ذلك ابدا. وهو يدرك مثلهم ان الطلب العالمي على النفط تراجع في شهر نيسان وحده 30 في المئة. ولن يكون سهلا على دولة مثل  العراق، تتكل بأكثر من 90 في المئة من مواردها على النفط، ان تخرج من عنق الزجاجة لمواجهة الخطر الداهم على موارد رزق البلاد.
ويصبح هذا الملف اكثر سخونة لان العراق، وبرغم موارده النفطية الكبيرة، يرزح تحت  وطأة ديون خارجية ثقيلة، يعتقد انها بحسب محافظ البنك المركزي تبلغ 23 مليار دولار، بينما تبلغ الديون الداخلية نحو 40 تريليون دينار عراقي. ويقول محافظ البنك ان ذلك لا  يتضمن 40 مليار دولار تمثل ديونا معلقة لفترة ما قبل العام 2003.

 ويأتي وباء كورونا ليزيد من المخاطر الماثلة أمام الكاظمي لانه عطل عجلة الاقتصاد  بدرجة كبيرة تجعل احتمالات انفجار الغضب الشعبي أكثر ترجيحا، ما لم يبدأ العراقيون  بمشاهدة آثار الاصلاحات التي وعدهم بها، وخطوات جريئة لمكافحة الفساد المستشري.
ولتخيل المشهد بشكل أوضح، علينا ان نتذكر ان الميزانية الاخيرة وضعت على اساس ان  النفط يشكل 90 في المئة من ايراداتها وعلى اساس ان سعر البرميل 56 دولارا بينما

دولارا فقط.
ولن يكون بمقدور أي حكومة ان تعالج هذا التحدي الاقتصادي من دون خوض معركة  داخلية كبيرة لمواجهة سياسات المحاصصة والمحسوبية وتقاسم الغنائم السائدة خلال  العقدين الماضيين، والتي يقول الخبراء انها جعلت القطاع العام يتضخم لدرجة انه يمتص حوالى 50 مليار دولار سنويا كرواتب وتعويضات، وهو ما يشكل النسبة الاكبر من حجم الميزانية العامة.
ولعلها تكون رسالة مؤثرة في اوساط العراقيين بخاصة الشباب منهم والذي يرزحون  تحت وطأة معدلات بطالة كبيرة. الا ان مبادرة كهذه لوحدها لن تكون كافية على الارجح. تحتاج حكومة الكاظمي الى اعلان خطة طوارئ اقتصادية للانقاذ، ومن اجل تحقيق ذلك تحتاج أيضا الى غطاء برلماني كاف وتأييد من الرأي العام الغاضب من سوء الاحوال.

التحدي الأمني
يشعر العراقيون بشكل عام بعبء التحديات الامنية التي يواجهونها منذ سنوات، وهم  من دفع ثمنها من أرواحهم وحياة ابنائهم. ولهذا فان السؤال الذي يجب ان يطرح على  الكاظمي عما اذا كان مدركا تماما لحجم هذه التضحيات واعبائها على المواطنين، وما  هو بصدد القيام به من أجل معاجلة ذلك.
غير ان المشكلة تكمن في ان الملف الامني شائك بدرجة لا يمكن له معها تسويته بمعزل عن عناصر اللعبة الداخلية والاقليمية. ومن دون افراط في التشاؤم، فان الكاظمي يحتاج الى معجزة بلا شك، في زمن انعدمت فيه المعجزات.
ومع ذلك، فان الكاظمي مجبر على ايلاء هذه الملفات أهمية قصوى، لان اهمال اي منها، لن يجلب سوى المزيد من التدهور في حياة العراقيين، وقد يوجه ضربة قاضية لحكومته، وبأحسن الأحوال سيشلها عن العمل.
اذا سيحتاج الكاظمي الى الانهماك بتعزيز الجيش والاجهزة الأمنية ورفدها بما تحتاج  من تمويل وتطوير وتفعيل، في مهمة لن تكون سهلة في ظل تعثر الموارد المالية

وفي جانب آخر من الشق الامني، يحتاج الكاظمي الى ايلاء احتجاجات الشارع أهمية عليا لمعالجتها بالطريقة المثلى.

ولعل من سوء حظ الكاظمي انه يتولى منصب رئاسة الحكومة على ابواب الصيف الذي عادة ما ترافقه انقطاعات في خدمات الكهرباء والمياه وهو ما من شأنه زيادة حدة  حركة الاحتجاجات.

العلاقة مع واشنطن
ومن المقرر ان ينطلق "الحوار الاستراتيجي" بين بغداد وواشنطن في حزيران المقبل، ليطال كل القضايا الشائكة بين الطرفين، بما في ذلك طبيعة ومستقبل الوجود العسكري  الاميركي، بخاصة بعدما صوت البرلمان العراقي رسميا للمطالبة بسحب القوات  الأميركية.
وسيمثل واشنطن مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية ديفيد هايل، الرجل الثالث في الخارجية الأميركية. ولم يعرف بشكل رسمي ما اذا كان الكاظمي سيشارك شخصيا في جلسات الحوار، اذ سيكون قد تسلم للتو جبالا من الملفات للبدء بمعالجتها. لكنه يدرك تماما ان هناك الكثير مما يجب اصلاحه في العلاقة مع الاميركيين، اذ كما تصفها مجلة "فورين بوليسي" الاميركية بانها "شراكة مختلة" من وجهة النظر الاميركية.

تسرد المجلة الاميركية مجموعة عناصر تبرر وصفها لتلك العلاقة بانها مختلة من بينها: قتل قوات الامن المئات من المتظاهرين، استغلال ايران الاقتصاد العراقي للتحايل على  العقوبات الاميركية، تلقي فصائل عراقية مدعومة من ايران، بعضها على لائحة العقوبات الاميركية، مخصصات مالية من الحكومة العراقية التي لا تحاسبها على هجماتها  على المباني والقواعد الاميركية على ارض العراق.
واشارت المجلة انه برغم ان واشنطن قدمت مساعدات بمئات ملايين الدولارات اقتصاديا  وعسكريا، وساندت العراق ديبلوماسيا، على أمل ان يتحول الى شريك رئيسي في الحفاظ على استقرار وأمن الشرق الاوسط، فانه يسير بالاتجاه المعاكس، مضيفة ان "الحوار  الاستراتيجي" يشكل الفرصة الاخيرة لتغيير هذا الاتجاه وانقاذ الشراكة الاميركية -العراقية طويلة الامد، داعية واشنطن الى فرض شروط أكثر قوة مقابل الدعم الاميركية المقدم للعراق، وافهام بغداد انها ستخسر الكثير ما لم تظهر مقاومة لما اسمته " الهيمنة الايرانية".
واشنطن هي ايضا تذكرة مرور حكومة بغداد الى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي،  اذا ما تواصل الانهيار الاقتصادي الذي يشهده العراق والعالم.  ولهذا لن يكون الموقف  التفاوضي للكاظمي سهلا، بخاصة انه يدرك ان غالبية هذه المساعدات لا يمكن  استبدالها من دول أخرى اذا امتنعت واشنطن عن تقديمها.
العلاقات مع كردستان
يأتي نيل الكاظمي الثقة البرلمانية في وقت تشهد علاقات بغداد مع اقليم كردستان  أزمة ثقة متزايدة، فيما الكتل الكوردية في البرلمان الاتحادي اعلنت منذ بداية الطريق  دعمها ترشيح الكاظمي لتشكيل الحكومة.
عناصر عدة ساهمت في تسخين الخلافات ما بين بغداد واربيل، لهل ابرزها مؤخرا قرار  حكومة عادل عبدالمهدي قطع الرواتب المقررة عليها لموظفي اقليم كوردستان  لاسباب ظلت حتى الآن يكتنفها الكثير من الغموض، في انتهاك للاتفاقات المعمول بها بين الطرفين.
وجاء قرار قطع الرواتب بشكل مفاجئ في الوقت الذي يقوم فيه وفد التفاوض الكردي بجولة محادثات مكثفة مع مختلف القوى الحكومية والحزبية في بغداد لتسوية ملفات تعيق تطوير العلاقات بين الطرفين، وهو ما عزز طرح التساؤلات عن مغزى صب الزيت  على النار على الرغم من العلاقات الطيبة التي ربطت القيادة الكوردية بعادل عبد المهدي.
اذا، سيراقب اقليم كوردستان أول مواقف الكاظمي حول ملف الرواتب،  لكن منحه  الثقة من جانب الكتل الكوردية، يعني ضمنيا ان تفاهمات جرت لتسوية هذه القضية  بدون تشنجات اضافية للخطوط الساخنة بين الطرفين.
وكما هو معروف، يشكل ملف الموارد النفطية أكثر الملفات تعقيدا، حيث تحتوي المنطقة الكوردية على 45 مليار برميل من الاحتياطي العراقي المقدر بـ150 مليار برميل، ويصدر كوردستان بين 400 ألف و500 ألف برميل يوميا. لكن رسميا، عليه أن يصدر منها 250 ألف برميل يوميا عن طريق شركة سومو النفطية الحكومية، وأن يدفع الإيرادات الناتجة عما تبقى للموازنة الفدرالية. وفي المقابل، على بغداد أن تدفع نحو 12% من موازنتها الاتحادية لأربيل (8.2 مليارات دولار).
وربما كل ما يتحتم على الكاظمي القيام به لطي هذا الملف تفعيل الاتفاق الذي جرى  ابرامه بين كردستان وحكومة عبدالمهدي في العام 2019، بعدما تضمن موازنة العام  2019 التي جرى اقرارها، بنودا تشير الى إعادة صرف حصة إقليم كوردستان التي لم يحصل عليها في موازنة العام 2018، ودفع رواتب موظفي الاقليم بمن فيهم مقاتلو   البيشمركة.
اذا هو اختبار بسيط لاظهار ارادة الكاظمي في معالجة هذا الخلاف مع "الحلفاء" الكرد

 الذين ساندوه برلمانيا، حتى يتسنى للطرفين معاجلة ملف أكثر سخونة والمتمثل بما   يسمى المناطق المتنازع عليها بينهما ضمن محافظات كركوك وصلاح الدين ونينوى وديالى.
وبامكان الكاظمي ملاقاة رئيس حكومة كردستان مسرور بارزاني في منتصف الطريق للنزع فتيل هذه الازمة المهملة والتي كانت من بين العناصر التي اتاحت لتنظيم داعش

الانتخابات المبكرة
تصاعدت في الاسابيع الماضية هتافات المتظاهرين في شوارع العراق مطالبة باجراء انتخابات مبكرة، ولاقتها مؤيدة المرجعية الدينية في النجف، من دون ان تحظى الفكرة  باجماع سياسي في بغداد.
فماذا سيفعل الكاظمي اذا اراد تجديد الدماء في شرايين الحياة السياسية في العراق  واقناع المحتجين بانه يلبي مطالبهم تدريجيا؟ ماذا سيفعل طالما قوى سياسية رئيسية وحتى حكومية، تعتبر ان الانتخابات الان لن تقدم كثيرا، وانه حتى لو عقد العزم على  اجرائها، فلن يكون ذلك متاحا في أحسن الأحوال، قبل أواخر العام 2021 .
تطرح التساؤلات امام الكاظمي لانه تحديدا تحدث عن ضرورة اجراء انتخابات خلال مدة لا  تتجاوز عاما. فهل سيمنحه المحتجون هذا الوقت؟ ربما، لكن بغض النظر عن ذلك، فان  خطوة الانتخابات بحد ذاتها لا يمكن الاقدام عليها سريعا لجملة أسباب.
أولا على الكاظمي الاخذ بعين الاعتبار ان وباء كورونا لم يتبدد، لا بل ان حالات جديدة  تسجل يوميا في مناطق مختلفة من العراق الذي يشهد في بعض المحافظات او المدن، عدم التزام شعبي باجراءات الوقاية والحجر. ان المجازفة بفتح صناديق الاقتراع تحت  ظلال الوباء، قد يتسبب بسيناريو "قم -2" حيث ظهرت أولى الاصابات في ايرا ن ، فجرى تجاهلها في المرحلة الاولى عشية الانتخابات البرلمانية، ولما توجه ملايين الناخبين الايرانيين الى صناديق الاقتراع، ساهم ذلك دون شك، في توسيع دائرة المصابين والعدوى.
ربما يقول قائل انه ليس بمقدور العراق، وامكانياتها الصحية المتوفرة   التعامل مع  خطر بهذا الحجم، لكن اسبابا اخرى تقف حائلا دون تنظيم انتخابات سريعة. بعض  التقديرات العراقية الرسمية تتحدث عن الحاجة الى مليار دولار تنفق على العملية  الانتخابية، فهل ذلك متاح في ظل الازمة الاقتصادية الخانقة التي اشرنا اليها سابقا؟

 هل سيخرج الكاظمي ليعلن قريبا صعوبة الانتخابات في ظل هذا الوضع؟ سنرى.

أخر تعديل: الجمعة، 08 أيار 2020 04:00 م
إقرأ ايضا
التعليقات