بغداد بوست - أخبار العراق - Iraq News

قمر إيران الصناعي ينقل الصراع مع الغرب إلى مرحلة أخطر

safe_image
إطلاق إيران  أول قمر صناعي إيراني لأغراض عسكرية،  كشف النقاب عن برنامج فضائي سري أثار حفيظة الرئيس دونالد ترامب، ليرد بتحذير إيران من أن السفن الأميركية ستغرق السفن والزوارق الإيرانية إذا اقتربت منها أو شكلت تهديداً لها، فما الرسائل المتبادلة من هذا التصعيد الجديد، وكيف ستكون انعكاساته على مسار الصراع بين الطرفين؟
ربما كانت الاستفزازات الإيرانية جزءاً من استفزازات دولية أخرى روسية وكورية شمالية تجاه الولايات المتحدة الأميركية في زمن كورونا بينما تكافح إدارة ترمب لاحتواء المرض ومجابهة تداعياته الداخلية، خصوصاً في ظل انتشار المرض في عدد من الوحدات العسكرية وفي صفوف أطقم حاملتي طائرات أميركيتين فضلاً عن تقييد وتأجيل عدد من التدريبات والنشاطات المعتادة للعسكرية الأميركية حول العالم، إلا أن التحرك الإيراني يحمل مغزى آخر.
المغزى الإيراني
تقول دينا أصفاندياري الباحثة في مؤسسة "سينشري" إن إدارة ترامب حذرت خصومها بكل وضوح من السعي إلى تحقيق مزايا أو مكاسب خلال انتشار وباء كورونا، لكن هدف الإيرانيين من إطلاق القمر الصناعي إلى مداره في الفضاء، هو إظهار أن ذلك لا يعدو عن كونه عملاً معتاداً بالنسبة لهم.

وتشير صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن إطلاق القمر الصناعي الإيراني يظهر استعداد إيران المستمر لتطوير قدراتها العسكرية وسط أزمة اقتصادية خانقة تفاقمت بفعل الوباء ومن قبلها بتأثيرات العقوبات الاقتصادية الأميركية، كما يريد النظام الإيراني التأكيد أن المهمة العسكرية للحرس الثوري الإيراني الذي قام بعملية إطلاق القمر الصناعي، لا زالت فاعلة.
ويقول المحلل العسكري أوزي روبن لموقع "ميليتاري تايمز" الأميركي إن إطلاق القمر الصناعي الإيراني يحمل رسائل تشير إلى أن الحرس الثوري الإيراني حقق مكاسب إضافية في سعيه للقبض على زمام السلطة في إيران وبناء دولته الخاصة داخل الدولة الإيرانية، كما أن إطلاق القمر الصناعي في خضم أزمة كورونا التي تؤثر في إيران يعدّ إشارة إلى الغرب، وإلى الشعب الإيراني قبله، بمدى ثقة القيادة الإيرانية في نفسها ومدى مثابرتها لتحقيق أهدافها.
تشدد دولي متوقع
وعلى الرغم من أن الإعلان عن إطلاق قمر صناعي إيراني كان متوقعاً، إلا أن ذلك يثير كثيراً من التساؤلات في المجتمع الدولي ويعزز الحجج القائلة إنه لا ينبغي رفع القيود الدولية عن برنامج الصواريخ الإيرانية، ويقول نورم راؤول مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية السابق لشؤون إيران في تصريح إلى موقع "سيفر بريف" المتخصص في الشؤون الأمنية، إن الولايات المتحدة قالت لسنوات طويلة إن مركبات الإطلاق الفضائية الإيرانية سوف تُستخدم لأغراض عسكرية، بينما ادعت إيران مراراً وتكراراً أن برنامج الفضاء لأغراض مدنية وليست عسكرية، كما أن برامج الأقمار الصناعية العسكرية تستغرق سنوات من التخطيط وتخصيص الموارد وعمليات التطوير، بينما تعلن طهران الآن فقط أن الأنظمة الأرضية للإطلاق كانت جاهزة.
ودخلت فرنسا وألمانيا على الخط إلى جانب وزير الخارجية الأميركي في انتقاد إطلاق القمر الصناعي الإيراني باعتبار ذلك خرقاً لقرار مجلس الأمن الدولي، وحثت فرنسا إيران على وقف أنشطتها لتطوير صواريخ قادرة على حمل أسلحة نووية، في حين حذرت الخارجية الألمانية من أن برنامج الصواريخ الإيراني له تأثير مزعزع للاستقرار في المنطقة وغير مقبول بالنسبة لمصالحنا الأمنية في الاتحاد الأوروبي.
تساؤلات واسعة
ويثير إطلاق القمر الصناعي الإيراني تساؤلات واسعة وخطيرة في دول الغرب، ففي حين لا يُعرف عن إيران أن لديها المعرفة الفنية اللازمة لتحميل أسلحة نووية فوق صاروخ بالستي، فإن أي تقدم يمكن أن تحرزه إيران في المستقبل نحو إنتاج صاروخ بالستي عابر للقارات، سيضع أوروبا وربما أيضاً الولايات المتحدة في نطاق مدى الصواريخ الإيرانية، وبينما قالت إيران إن صواريخها البالستية لا يزيد مداها عن 2000 كيلومتر ما يجعلها تصل فقط إلى مناطق في الشرق الأوسط وليس أوروبا أو الغرب، فإن صحيفة إيران الرسمية كانت نقلت عن شقيق "حسن طهراني مقدم"، وهو قائد بارز في الحرس الثوري الإيراني لقي مصرعه مع 16 آخرين في انفجار ضخم عام 2011 أن طهراني كان يعمل في برنامج للصواريخ العابرة للقارات، ثم عاد ونفى ذلك في لقاءات إعلامية أخرى.
ومن الغريب أن عدداً من المعلقين الإيرانيين وصفوا خلال الأيام الماضية إطلاق القمر الصناعي بأنه تكريم لاسم حسن طهراني، بينما تقول إيران إنها سوف تستخدم القمر الصناعي العسكري في مراقبة القوات الغربية خصوصاً الولايات المتحدة التي تصعّد الضغط عليها عبر عقوبات قاسية.
تصدّ أميركي
وفي حين يأتي إطلاق القمر الصناعي في وقت تخلت إيران عن جميع القيود الخاصة بالاتفاق النووي مع المجتمع الدولي ما قد يؤشر إلى مرحلة جديدة من التوتر والتصعيد، تعهّد مسؤولون أميركيون باستخدام جميع الأدوات المتاحة لدى الإدارة الأميركية لمنع تحقيق إيران تقدماً إضافياً في برنامجها الصاروخي لا سيما جهود تطوير وتحسين هذه التكنولوجيا.
ويقول روب لودفيك، المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية، إنه بينما لا تمتلك إيران صواريخ عابرة للقارات المعروفة اختصاراً باسم (أي سي بي إم)، إلا أن رغبتها في مجابهة استراتيجية مع الولايات المتحدة قد يدفعها إلى تطوير هذه الصواريخ.
ويؤكد برايان هوك ممثل الإدارة الأميركية الخاص لشؤون إيران، في حديث إلى موقع "واشنطن فري بيكن" المحافظ، إن برنامج طهران الفضائي هو غطاء لطموحاتها لإنتاج صواريخ عابرة للقارات، وأن أية ادعاءات أخرى ليست سوى دعاية خالصة.
برنامج مستمر
ويتفق الباحثان مايكل إليمان ومارك فيتزجرالد في دراسة سابقة لهما نشرتها مجلة "فورين بوليسي" في أن تخلي إيران التام عن برنامج الصواريخ ليس ممكناً على المدى البعيد بسبب الدور المركزي الذي تلعبه الصواريخ في دعم الإحساس الداخلي للنظام في قدرته على الردع.
 ووفقاً للإعلانات الصادرة عن الحرس الثوري الإيراني، فإن الصاروخ الذي استخدم في إطلاق القمر الصناعي الإيراني، حمل اسم (قاصد) وهو نظام لم يكشف عنه من قبل ويستخدم الوقود السائل والصلب معاً، وحمل القمر الصناعي إلى مدار على ارتفاع 264 ميلاً فوق سطح الأرض وهي أول مرة يعلن فيها الحرس الثوري عن تجاوز صواريخه ارتفاع 124 ميلاً.
وبحسب فابيان هينز الباحث في مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي التابع لمعهد "ميدلبري" للدراسات الدولية في كاليفورنيا، فإن هذا النظام قد يسمح لإيران بتزويد صواريخها بالوقود بسرعة أكبر وهو أمر حاسم في نظم الأسلحة الهجومية.
معنى تحذير ترمب
وصدر تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد ساعات قليلة من الإعلان عن إطلاق القمر الصناعي العسكري إلى الفضاء ونقل وسائل الإعلام الأميركية له مع ربط هذا التطور باستفزازات الزوارق الحربية الإيرانية لخمس سفن أميركية قبل ذلك بأيام، ما دفعه إلى إطلاق تحذير بأنه أصدر أوامر بإغراق أية سفن أو زوارق إيرانية تقترب من أو تهدد السفن الحربية الأميركية، وهو ما اعتبره الجنرال جون هيتن نائب رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة تحذيراً قوياً لإيران من دون الحاجة إلى تغيير الصلاحيات المخولة للبحرية الأميركية.
وبينما اعتبر ديفيد نوركويست نائب وزير الدفاع الأميركي هذا التحذير من قبل ترمب مفيداً جداً كونه يعيد للبحرية الأميركية حق الدفاع عن النفس، يشير باحثون وسياسيون إلى أن أية استفزازات جديدة من قبل إيران قد تؤدي إلى انفلات الأمور وتطور المواجهات، خصوصاً مع سجل إيران الطويل من الاستفزازات منذ سنوات طويلة، ورغبتها في إحراج الرئيس ترمب في وقت يمر الرئيس بأوقات صعبة واتهامات من معارضيه بالتأخر في مواجهة وباء كورونا ما قد يهدد فرصه في الفوز بدورة رئاسية ثانية.
وفي حال تكرار الاستفزازات الإيرانية، قد يجد الرئيس ترمب نفسه مضطراً للدفاع عن قواته وتحقيق مكسب انتخابي في الوقت ذاته يظهر قوته وحسمه لموقف تردد فيه من قبل حين أسقطت إيران الصيف الماضي طائرة "درون" أميركية وتراجع ترمب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران في اللحظات الأخيرة.
تاريخ من الاستفزازات
وفي هذا السياق، نشرت وزارة الخارجية الأميركية في بيان لها تاريخ الاستفزازات التي قامت بها القطع البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، مؤكدة أنها ليست ظاهرة جديدة، فخلال عام 2015 وخلال المفاوضات حول اتفاق إيران النووي مع القوى الدولية، سجلت البحرية الأميركية 22 حادثاً لسلوك غير آمن وغير احترافي من قبل سفن الحرس الثوري التي خاطر كثير منها بالتصادم مع سفن أخرى، كما سجلت البحرية الأميركية 36 حادثاً مماثلاً عام 2016، بما في ذلك استيلاء قوات الحرس الثوري الإيراني على زورقين تابعين للبحرية الأميركية واعتقالها 10 بحارة أميركيين لمدة 15 ساعة وتصويرهم بالفيديو في انتهاك لاتفاقية جنيف الدولية.
ومع تولي الرئيس ترمب السلطة في واشنطن، بدأ في مراجعة شاملة لسياسة الولايات المتحدة حيال إيران في ضوء فشل الاتفاق النووي في وقف انتهاكات النظام الإيراني للأمن والسلم الدوليين في إقليم الشرق الأوسط، لكن ذلك لم يمنع إيران من استمرار أنشطتها البحرية الخطيرة، ففي مارس (آذار) عام 2017 اضطرت سفينة حربية أميركية إلى تغيير مسارها لتجنب الاصطدام مع زوارق سريعة إيرانية كانت تقترب منها، وفي يوليو (تموز) عام 2017 اقتربت سفينة تابعة للحرس الثوري حتى أصبحت على بعد 150 متراً من السفينة الحربية الأميركية "ثندربولت" في مياه الخليج، وفي أغسطس (آب) من العام نفسه، اقتربت طائرة إيرانية مسيرة غير مسلحة من حاملة طائرات أميركية من طراز "نيميتز" بينما كانت طائرة مقاتلة تهبط ليلاً على متنها، ما هدّد سلامة الطيارين الأميركيين وأطقم الحاملة.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) عام 2017 أعلن ترمب عن سياسة أميركية جديدة حيال طهران، وأن الولايات المتحدة لن تتسامح مع الاستفزازات الإيرانية وهو ما أدى إلى تراجع حاد في التحرشات والاستفزازات الإيرانية وإن لم توقفها حتى بعد انسحاب أميركا من الاتفاق النووي، ففي 12 مايو (أيار) 2019 زرعت البحرية التابعة للحرس الثوري ألغاماً قرب الفجيرة في مياه الخليج، وفي 13 يونيو (حزيران) من العام نفسه، زرعت ألغاماً في سفينة يابانية وأخرى نرويجية عند خليج عُمان، وفي 19 يونيو استولت سفن الحرس الثوري على ناقلة تحمل العلم البريطاني عند عبورها مضيق هرمز، وبعدها بساعات احتجزت سفينة ليبيرية أخرى.
وفي 14 أبريل (نيسان) الجاري، احتجزت إيران ناقلة بترول تحمل علم هونغ كونغ في المياه الدولية وأبحرت بها إلى المياه الإقليمية الإيرانية، وفي اليوم التالي، اقترب 11 زورقاً للحرس الثوري من خمس سفن أميركية حتى وصل أحدها على مسافة 10 أمتار، ما دفع الرئيس ترمب إلى إطلاق صيحة التحذير التي سيتبين خلال الأيام والأسابيع المقبلة ما إذا كانت ستحقق الهدف منها أم أن إيران ستضرب بها عرض الحائط وتواصل استفزازاتها التي تعودت عليها من سنوات.

إقرأ ايضا
التعليقات