بغداد بوست - أخبار العراق - Iraq News

الحقائق المغيبة في إعدام رئيس جهاز المخابرات الأسبق فاضل البراك

6d8e30d4-cb95-48c7-bb69-ac0d3091e370

كاتم أسرار صدام .. تفاصيل المواجهة بين سبعاوي إبراهيم والبراك في اجتماع العوجة

كيف اخترق الشيوعي العراقي وحزب الدعوة الإسلامية؟

كتب عام 1992 اخر سطر في صفحة تاريخ مدير المخابرات الاسبق فاضل البراك، لكن معالم الرواية مازالت ضبابية فما حدث مازال بحاجة الى ان تحكى تفاصيله من جديد. ادرك الدكتور فاضل البراك أن هناك شيئا غير طبيعي يحدث وبات شعوره طاغيا بكونه يسير وسط المكائد والدسائس، بعدما شغل لسنوات طويلة رئاسة الامن واعقبها المخابرات حتى تحول إلى أيقونة العمل المخابراتي والامن و رمزاً ثورياً مع ان معارضوه لهم رأي مختلف لسنا بصدد طرحه، فما تناولته الأقلام ولاكته الألسن طويلا جعلنا نلجأ إلى كشف الحقائق الغائبة او المغيبة فمازالت الأسرار تتراءى وتظهر للعيان وما زال سعينا مستمرا بعدما اكتنف الغموض لسنوات طويلة حقيقة إعدام فاضل البراك صندوق الأسرار الثمينة وكاتم أسرار صدام حسين.

كما هو شأن كل المنعطفات الكبرى في التاريخ مثّل حدث الإعدام نقطة تحول سبقتها أسرار كثيرة وتحركات خفية، لم يُكشف بعضها رغم مرور سنوات طويلة لكن وقتها قد آن فبعض المقربون من الرئيس أجادوا ادارة لعبة الخداع بإسقاط البراك من قمته التي وصل إليها بجهد جهيد فجوانب مهمة عن ذلك المشهد المثير في تلك المرحلة من التاريخ التي تم فيها اقصاء البراك والأدوار التي لعبها البعض في التحولات التي حصلت كلها جرت على العراق ويلات مازالت ماثلة حتى الآن.
من هو البراك؟
كانت قرية العوجة على تخوم مدينة تكريت مركز محافظة صلاح الدين، وتقع على ضفة نهر دجلة البداية لعلاقة طويلة بين البراك وصدام، الذي يكبره بخمس سنوات، انتهت بالدم، فمن هو فاضل البراك ؟ …

ولد البراك في تكريت عام 1942درس الابتدائية والمتوسطة فيها لكنه انتقل لاحقا الى مدينة سامراء واكمل دراسة الاعدادية ودخل بعدها الكلية العسكرية في عام 1962(دورة 41) وكأغلب شباب جيـــــله من ذوي التوجه العروبي انتمى إلى حزب البعــــــث العربي الاشــــــــتراكي في عام 1958وشارك بعدها في”ثورة” تموز 1968.

 بعد انقلاب تموز تدرج البراك في المناصب اذ تم تعيينه ضابط أمن القصر الجمهوري ومرافقا لرئيس الجمهورية احمد حسن البكر  ونقل الى موسكو في عام1970  ملحقا عسكريا ومسؤولا لتنظيمات حزب البعث في أوربا الشرقية حتى تم تعيينه مديرا للأمن العام العراقي في نهاية عام 1976- 1984 لينتقل بعدها مديرا لجهاز المخابرات العراقي في عام 1984الى عام 1989.

وانتخب البراك عضو قيادة قطرية في المؤتمر القطري الثامن عام 1986لكنه تنازل عن المنصب لانشغاله كمدير لجهاز المخابرات وبقى عضو قيادة احتياط وعضو المكتب العــــــــسكري للحزب ليعين عام 1989المستشار السياسي لرئيس الجمهورية وحصل على نوطي شجاعة في عام 1986 فضلا عن شارة الحزب. وحصل البراك على شهادة الدكتوراه من روسيا عام  1976من اكاديمية العلوم السوفيتية مركز الاستشراق وكانت اطروحة الدكتوراه المطبوعة في كتاب عن (دور الجيش العراقي في حكومة الدفاع الوطني والحرب مع بريطانيا عام 1941).

كما لديه خمسة مؤلفات ابرزها المدارس اليهودية والايرانية في العراق ومصطفى البرزاني الاسطورة والحقيقة وهما الكتابان الاشهر له واللذان حققا مبيعات ورواجا كبيرين كونهما يزخران بمعلومات لم ولن تتح سوى له اصدار كتاب (تحالفات الاضداد) و(ستراتيجية الامن القومي).

ووفقا لسيرته وللمقربين فإن مايتمتع به البراك من علاقات جعلته محط أنظار الجميع وربما حسدهم وخاصة ممن يتسابق ليكون ذا حظوة لدى الرئيس كما ان الكاريزما العالية التي امتاز بها البراك قد اثارت في ذات الوقت حفيظة الرئيس وان لم يكن علنا، فالرجل كانت له علاقات إقليميا وعربيا ودوليا متميزة، فارتبط بصداقة وثيقة بالقيادة الفلسطينية خصوصا ابو عمار وابو إياد وانشأ علاقات قوية مع الرئيس اللبناني الاسبق امين الجميل وزعيم حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أثناء مواجهتهما للنفوذ العسكري السوري واستقبلهما في بغداد ضمن سلسلة زيارات سرية للحصول على الدعم العراقي لمواجهة نظام الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، وساهم بعودة المياه لمجاريها بين العراق وليبيا بعدما تم تكليفه بشكل مباشر من الرئيس صدام حسين بإجراء مباحثات مع الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي ونجح بتحييده عن الزعيم الايراني اية الله الخميني عقب سنوات من الدعم الليبي لإيران خلال الحرب.

وأشرف البراك بشكل مباشر على منظمة مجاهدي خلق الايرانية المعارضة وكان مسؤولا عن حماية الملف النووي العراقي وتوفير الحماية للعاملين فيه من كبار المسؤولين اضافة الى علاقاته العميقة مع اغلب رؤساء أجهزة المخابرات العربية والدولية. ومازالت في مسيرة الرجل الطويلة أسرار محفوظة، فنهايته المأساوية التي لم يكشف عن تفاصيلها بشكل حقيقي كانت اشبه بدراما، فمنذ بداية غزو الكويت الذي كان لعنة لم تصب الإمارة الصغيرة لوحدها وإنما جرت مأسيها على الجميع ومن بينهم فاضل البراك حاول منافسوه اضعاف او كسر شوكته بشتى الأساليب فبدأت تتسارع الأحداث حتى وقع ما لم يكن بالحسبان ولم يكن منافسوه وحدهم بالمشهد، فالبراك كان معروفا لدى اغلب المعارضين بالشدة والقوة والقسوة والحنكة والخبرة فعناصر أحزاب مثل “الدعوة” و”الحزب الشيوعي” و”الإخوان المسلمون” يكنون له عداء مستحكما بعدما أسهم بتفكيك احزابهم إبان توليه إدارة الامن العامة بناء على خبرات اكتسبها من مدارس مخابراتية عدة، فكان امام فوهات اعلام تلك الاطراف بمواجهة مفتوحة بعد غزو الكويت او قبلها.

واستكملت بعد مرور نحو  27 سنة معالم الرواية المغيبة من خلال وجود شهادات عديدة ممن عملوا مع البراك، لكن استللنا منها شهادة اثنين من كبار العاملين معه تدحضان بقوة اشاعات سرت وقصص واساطير نسجت انذاك إلى جانب مقالات نشرت بعد سقوط النظام السابق تتناول عملية الإعدام واسبابها ودوافعها وبمانشيتات عريضة تزعم بأن”البراك عميل لألمانيا” واخرى بانه “عميل للاتحاد السوفيتي”  فهل فاضل البراك مدير جهاز المخابرات العراقية الاسبق كان كما يشاع متخابرا مع ألمانيا الشرقية او الاتحاد السوفيتي ولماذا هاتين الدولتين بالذات وهل يمكن لمسؤول بحجمه ان يكون عميلا لدولتين بوقت واحد ، وما علاقة غزو العراق لدولة الكويت وموقفه من الغزو في طي صفحة زاخرة بالعمل الأمني والمخابراتي لرجل آثار غيابه الجدل.. السؤال يبدو كبيرا وصعبا على من يجهل الحقيقة لكن الإجابة ستكون بالوقائع كما يرويها رفاق البراك الأحياء وبعضهم لايكن له المودة، لكنهم اختاروا البوح بمايعرفون رغم مضي السنوات الطويلة.

فالسرد المنتشر دون تدقيق او فحص او تمحيص يرسخ صورة سلبية عن البراك ليس فقط على مستوى تثبيت تهمة”الخيانة” التي ليس لها اساس من الواقع، وانما يشمل الحديث عن “طريقته التسلطية” في إدارة أخطر جهازين امنيين، ويمتد الى دوره في التصدي لمحاولات تصدير”الثورة الايرانية” الى الدول العربية من قبل بعض ترويج بعض الاحزاب لادعاءات بشأن تورطه باعدام المرجع الديني اية الله السيد محمد باقر الصدر  الذي ربطته به علاقات ودية حتى بعد قيام الثورة الايرانية كما سيظهر لاحقا.

موقف البراك من غزو الكويت
وتلمس البراك ما اثاره غزو الكويت من ردود فعل سلبية وانعكاسات خطيرة على العراق والمنطقة وهو الذي خبر جيدا قراءة ما بين السطور وادرك بان الموقف الدولي لن يكون مرنا في التعاطي مع خطوة بهذا الحجم، وبحسب المقربين، قاوم البراك ما يبدو انها اوامر صادرة من الرئيس شخصيا بأن يكون الراي المتعلق بغزو الكويت منسجما مع الرغبة بعودة “الفرع إلى الأصل” فكان اعتراضه معبرا عن شخصه المعارض لبقاء القوات العراقية بالكويت او استمرار الغزو لما له من تداعيات خطيرة على حاضر ومستقبل العراق، وهو ما آثار الجناح المتشدد والقريب من صدام حسين والحانق اساسا على البراك بدفع أجندتهم السياسية لتصفية الحسابات القديمة معه عقب عزل برزان التكريتي من المخابرات واستغلال ذلك ذريعة لضرب ثقة الرئيس بالبراك.

وجد سبعاوي ابراهيم الحسن الاخ غير الشقيق للرئيس الذي تولى ادارة جهاز المخابرات، عقب اربعة اشهر من ادارة فاضل العزاوي للجهاز خلفا للبراك، الفرصة سانحة لتصفية حسابات مؤجلة اذ تشكلت بعد غزو الكويت في 1990 بأمر رئيس الجمهورية لجنة رئيسها فاضل البراك وضمت عبد الملك الياسين وعبد الحسين الجمالي وصادق اسود وكاظم هاشم نعمة وعبد الجبار الهنداوي اعضاء لتقديم رأي لصدام بشأن أزمة غزو الكويت، لكن تقرير اللجنة لم يعجب الرئيس فتوصياتها تضمنت ضرورة الانسحاب من الكويت وخطورة الوضع على العراق وعلى أثر ذلك تم حل اللجنة، وهو امر يؤكده السفير السابق عبد الملك الياسين بشهادة مصورة، بعدها احيل البراك على التقاعد عام 1991 قبيل بدء الحرب الاميركية وكان واضحا لزواره تذمر الرجل من الاوضاع العامة بل خشيته من القادم ، فرئيس جهاز المخابرات على مدى ست سنوات اضافة لشبكة علاقاته الواسعة يملك مجسات استشعار في مراكز صنع القرار وضعته في دائرة الضوء تجاه ما يحاك للعراق من خطط لتدميره وتوجس خيفة من استمرار غزو الكويت والماضي بالمغامرة إلى النهاية وهو ما أثار حنق الرئيس وغضبه .

 وفتح رفض البراك لبقاء القوات العراقية بالكويت أبواب الغضب، وبدأ النظام بدفع من سبعاوي الذي كان يكن كراهية شديدة وقديمة للبراك ، مرحلة التنكيل فتم اعتقال كل من يرتبط بعلاقة صداقة معه ، ووفقا لاحد رفاقه في شهادته عن ماجرى بان “رغبة رأس النظام كانت التخلص من صندوق أسراره والتوجس منه كون الرجل علم من الأسرار الخطيرة ما تجاوز الحد المسموح” وتركز التحقيق في البحث عن اي ثغرة في عمله لكن المحققون لم يجدوا شيئا يستحق الذكر باستثناء مخالفات ادارية بسيطة ممكن حدوثها مع من يتولى ادارة اخطر جهازين امنيين منذ عام 1976 وحتى عام 1989 فالظروف التي مر بها البلد لم تكن طبيعية في ظل مواجهة شرسة مع احزاب المعارضة او مع ايران ، لكن خصومه لم يقتنعوا فعادوا واعتقلوا كل من كان قريبا اليه اثناء توليه ادارة الأمن العام ولم يجدوا شيئا يستحق الذكر.

شهادات رجال مخابرات
ودنت ساعة تصفية الحسابات القديمة بالاتكاء على الموقف من الكويت فتفتق ذهن من تولى ادارة المخابرات ( سبعاوي ابراهيم) الى صناعة قصة هوليودية تعتمد الاثارة وجذب الانظار لكنها مهلهلة، فـ “قصة الخيانة والعلاقة بالمانيا الشرقية او الاتحاد السوفيتي” والتي تم الترويج لها عبر جهات مرتبطة بالسلطة انذاك وسرت كالنار بالهشيم،  فباتت إحدى المسلمات من الحقائق مع ان التحقيق بها تم فعلا من دون الوصول لأي دليل، فلم يكن اعتباطا من سبعاوي ان يجري اختيار هذه الدولة او تلك ليكون البراك ” عميلا” لها، فلجأ الى سياسة خلط الاوراق فتارة يتهم بالتعامل مع الاتحاد السوفيتي وتارة يتهم بالمانيا الشرقية مع ان الاتحاد السوفيتي انهار عام 1991 اي قبل اكثر من سنة من اعتقال البراك وذات الحال بالنسبة لالمانيا الشرقية التي غابت عن الوجود في 1989 اي قبل 3 سنوات من الاعتقال،.

فالدولتان اصبحتا في خبر كان ولايمكن العودة اليهما او ان يتم مفاتحة السلطات فيهما ، كما ان شخصية مثل فاضل البراك المعروف بتوجهه القومي العربي المناوئ للشيوعية كان ابرز من تم تكليفه بتفكيك الحزب الشيوعي العراقي، حتى انه تمكن اثناء اقامته في الاتحاد السوفيتي قبل نقله مديرا للامن العام في 1976 من تجنيد امين عام الحزب الشيوعي العراقي خليل الجزائري وتامين انشقاقه عن الحزب الذي اقر بهذه الواقعة في وثائقه، فماهي المصلحة من وراء “العمالة” لهاتين الدولتين الشيوعيتين السابقتين ، فالبراك كان يتعاطى مع مسؤولي الدولتين بمبدأ الند بالند وليس التابع والمتبوع، فالواقع يتحدث عكس ما اراد له منافسوه ودحض بالدلائل والوقائع نظرية التجسس. ويدعم تفنيد هذه النظرية، رواية لم تكن معلومة لكنها ستسهم إلى حد كبير في حسم التأويلات والاستنتاجات في شهادة قدمت إنصافا للطرف الغائب حتى ولو لم يتفق معه الناس في خضم اجواء مشبعة بالسلبية والتناحر ولايهدف من ورائها رسم بطولات وهمية بقدر الرغبة بالحقيقة.

يقول معاون مدير جهاز المخابرات الاسبق العميد الركن خليل ابراهيم سلطان الذي لم تربطه علاقة ودية بالبراك، لكنه بادر بتقديم شهادته عن مدير المخابرات الاسبق لرئيس تحرير مجلة الصوت عبر مكتبها في دمشق ونشرت بعدد المجلة 138 الصادر في حزيران الماضي بان” بعد إعدام البراك، الذي لا يوجد بيننا ود، تسلمت مهام منصبي معاونا لمدير جهاز المخابرات فطلبت اضبارة قضية فاضل البراك و بعد ان اطلعت عليها لم أعثر على اي دليل يشير إلى ضلوعه في اي عملية تجسس ولكن القضية برمتها كانت تصفية حسابات بين اخوة الرئيس صدام مع فاضل البراك لكون العلاقة بينهم ليست ودية.” ولم تقتصر الرواية على منافسيه وإنما على من عاصره في جهاز المخابرات ومنهم الضابط سالم الجميلي الذي أكد اخيرا في شهادة منشورة له حقيقة كانت غائبة عنه في لقاءه التلفزيوني مع د . حميد عبدالله عام  2009والذي استند اليه البعض في اعتباره مصدرا لتاكيد مايتم تداولة فالجميلي يشير الى نقله لما سمعه في اوساط الدائرة بعد اعدامه مباشرة،” اما هذه الحقيقة فقد عرفتها قبل سنة ووجدت من المناسب نشرها للتاريخ “،

فما هي الحقيقة التي اكتشفها الضابط السابق في جهاز المخابرات؟

يقول الجميلي ان “البراك كان ذكيا جدا ومحترفا وفنيا بامتياز وفي عهده تم اقرار منهجية عمل جهاز المخابرات وكانت بمثابة (دستور) عمل الجهاز، وتم انجاز نظام معاملة المعلومات ونظام ادارة المصادر وتحديد  الصلاحيات  للمفاصل القيادية في الجهاز  بشكل دقيق  و تحول الجهاز الى مؤسسة امنية رصينة.

وفي الواقع ان اعدام البراك  الذي اشغل الكتاب والمؤرخين  لم يكن بسبب الخيانة  انما كان نتيجة  زلة لسان اثناء التحقيق معه  كانت تخفي خلفها موقفا ناقدا من احتلال الكويت ، فمن المعروف ان علاقة البراك مع مدير الجهاز الذي جاء بعده كانت متوترة، وكان احد اسباب التوتر هو قيام البراك  بتنفيذ توجيه صارم من الرئيس باستئصال نفوذ  كل من  برزان التكريتي وسبعاوي ابراهيم الحسن من جهاز المخابرات اثر خلاف عائلي لهما مع الرئيس، علما ان  سبعاوي الحسن شغل منصب مديرعام  مكافحة التجسس” .

ويضيف الجميلي “كانت علاقة البراك مع صباح الخياط  القضية الاساسية التي تم اعتقال البراك  بموجبها ألا ان تهمة التخابر مع جهات معادية لم تثبت ضده  انما دافع عن تلك العلاقة بأعتبارها لعبة  استخبارية مزدوجة مارسها وفقاً للصلاحيات المخولة له  بهدف تظليل مخابرات معادية وهو امر طبيعي في عمل الاجهزة الاستخبارية حتى وان تضمنت تسريب وثائق  اومعلومات سرية للغاية و اكد البراك انه اتخذ من  علاقته مع  صباح الخياط  قناة لتضليل  جهاز مخابرات معادي اثناء فترة الحرب العراقية – الايرانية وبعد فحص طبيعة  الوثائق المسربة ومحتوياتها من معلومات لم يتمكن فريق التحقيق من اثبات دليل ادانة ضده انما  توصل  المحققون الى (قناعة ما) بان القضية كانت بالفعل عملية تضليل مقصودة كما ادعى البراك في التحقيق”.

ويوضح الضابط السابق في المخابرات العراقية بانه “على اثر فشل الاتهام الاول  فتح مع البراك  ملف تحقيق آخر يتعلق بكيفية حصول البراك على دار فخمة في المنصور تلك الدار كان يملكها رجل عراقي ثري اراد بيعها  بسعر مرتفع كان للبراك رغبة في شراء تلك  الدار، لكنه لا يمتلك المبلغ الكافي لشرائها  وفي نهاية المطاف اشترى الدار  وكان لدى فريق التحقيق شبهة حول عملية الشراء بالرغم من ان صاحب الدار لم يقر  بوجود  أية عملية ضغط او ابتزاز ضده وبعد ان انتهى التحقيق  في ملف الخيانة بدأ التحقيق مع البراك في موضوع الدار  وبعد ممارسة ضغوط واستفزاز والحاح من المحققين ثار غضب البراك وقال (بعد ان انتهينا  من تهمة الخيانة فتحتو علينا  قضية المهجوم، يقصد  البيت، شجلبتوا بهذا المهجوم هو العراق مهجوم من شماله لجنوبة بسببكم ، يقصد احتلال  الكويت، اعتبروا هذا المهجوم واحد من الاهداف الهجمتها اميركا على راسنا)، فوصلت هذه العبارة الى الرئيس صدام حسين ولم يشأ تصديقها فطلب من فريق التحقيق ان يرسل له التسجيل الصوتي لجلسة التحقيق فاستمع الرئيس الى التسجيل بنفسه، وكانت تلك العبارة كافية للحكم على البراك بالاعدام” ولم تكن هناك علاقات مخفية مع الخارج، فالبراك كان يتحرك ويتصل ويقابل ويسافر بعلم و بتوجيه من رئيس النظام وليس بالخفاء. وكان كثير السفر وهذا جزء من عمله وكان يتمتع بثقة كبيرة من الرئيس فضلا عن امتلاكه صلاحيات واسعة وحرية في التنقل والعمل دون قيود.


ووفقا لمقربين منه فأنه في عام  1990وقبيل احتلال الكويت بعدة اشهر أوفد البراك في زيارة سرية لم يكتب عنها الكثير الى لندن ومن هناك الى الولايات المتحدة وهي زيارة مازالت طي الكتمان ولايعلم تفاصيلها الا ثلاثة أطراف، اثنان غادرا الحياة وهما صدام حسين وفاضل البراك اما الطرف الثالث فهو الإدارة الأميركية السابقة بعهد الرئيس الراحل جورج بوش الاب ومخابراتها التي مازالت تلتزم الصمت عن تلك الزيارة وأهدافها وماجرى فيها بشأن الكويت، فالبراك الذي كان ملتزما بدوره المكلف به من صدام بنقل الرسالة الى واشنطن بشان الكويت لم يخف لاحقا موقفه برفض احتلال الكويت وبقاء القوات العراقية فيها وتأكيده للرئيس بان دخول الكويت فخ يراد فيه تدمير العراق لكن كان لصدام حسين رأي وقناعة اخرى.

ويشير الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل وكانت تربطه بالبراك علاقة وثيقة ، عبر (برنامج المصير) مع محمد كريشان على قناة الجزيرة وبث في  2007إلى أن فاضل البراك التقى مسؤولين في المخابرات الأميركية من بينهم روبرت غيتس (مدير المخابرات الأميركية لاحقا) في مدريد وعد الاميركان باعطاء الكويت للعراق في حال ضربه الثورة الايرانية عام  1980وعموما كانت الكويت محور الحدث والموقف من غزوها السبب الابرز بأن يتم “تصفية” البراك بدون أن يرف للبعض جفن.
أسرار العلاقة مع الصدر
ورغم دوره الواضح في مواجهة “تصدير الثورة الايرانية” من اجل حماية العراق وعروبته الا ان البراك وبحسب مقربين منه، كان يعول كثيرا على المرجع الديني البارز السيد محمد باقر الصدر (اعدم عام 1980) لقناعة بدوره وتأثيره في الداخل العراقي وحرصه على ترسيخ السلم المجتمعي على عكس محاولات البعض لشيطنه البراك واتهامه بالوقوف وراء إعدام المرجع الصدر وترسيخ ذلك لدى عامة الناس ، فجاءت شهادة الشيخ محمد رضا النعماني مرافق الصدر كما هناك شهادات اخرى لم تنشر لتثبت عدم وجود عداوة بين الصدر والبراك، فالشيخ النعماني يؤكد في حوار تلفزيوني مع الاعلامــــــي حميد عبد الله  بأن” البراك زار السيد (محمد باقر الصدر) بعد فترة من انتصار الثورة الاسلامية (في إيران عام 1979) وكان مصدر قرار ومن المقربين لأحمد حسن البكر (الرئيس الراحل) ومن كوادره وصدام كان له حساسية منه ونهاية المطاف اعدم”.


وأضاف النعماني”البراك كان شخصية محترمة ولم يكن رجلا دمويا وحاول جهد الإمكان ان يعيد روابط واساسيات العلاقة بين الشهيد الصدر والسلطة وكان يسعى لذلك وقد تسأل لماذا؟ في يوم من الايام اتصل البراك بالسيد وأبدى رغبته بزيارته والغداء معه بمعنى الجلوس معا لفترة طويلة وفعلا تحدد الموعد وجاء وتم تجهيز الغداء وحضر البراك ودار حديث عام بعدها طلب من السيد الصدر ان يجلسا جلسة خاصة بمفردهما بعيدا عن جلسة الغداء العامة التي حضرها ايضا السيد محمود الهاشمي ( شاهرودي توفي قبل اشهر) ومساعد مدير الشعبة الخامسة ومجموعة أخرى”. وأكد الشيخ النعماني انه” في اللقاء السري لم يفصح السيد عن ما دار لكن كان البراك مطلعا على كتب السيد وذات مرة بعث رسالته للدكتوراه إلى السيد للإشراف عليها اوتصحيحها اوالنظر فيها وهذا يدل على أنه شخص مقتنع بعلمية السيد (الصدر) وكان موضوعها عن القومية العربية وعلاقتها بالاسلام وكنت اشعر انه (البراك) كان مهتماً بالسيد لكن فاضل البراك لم ينجح”، مشيرا ان “الأمر الأساسي الذي فهمته من السيد الصدر بأن فاضل البراك قال له ( سيدنا انا ادفع عنك كثير من الأشياء وادافع عنك واطلب منك مساعدتي بأن لا تتيح للاخرين فرصة ان يكتبوا عنك من طرق أخرى وتخرج عن يدي) وفعلا هذا حصل ورأينا بأن كلامه يصدقه الواقع في بعض الأحيان وأشعر بأن فاضل البراك كان صادقا بدرجة معينة مع السيد الصدر. ويمنحنا الكشف عن طبيعة العلاقة الحقيقية بين البراك والصدر دليلا بان محاولة اظهار البعض وجود خصومة بين الرجلين او ربط البراك باعدامه تبدو مقصودة من خلال فبركة القصص والإشاعات والترويج لها من اجل ترسيخ فكرة معينة في الاذهان، بينما الحقيقة عكس ذلك وهو امر يتطابق مع الترويج لعلاقة لم تثبت بالالمان الشرقيين او السوفيت.
إعدام فاضل البراك
وفي صيف 1992 تم تنفيذ حكم الإعدام بمدير جهاز المخابرات العراقية الاسبق فاضل البراك بطريقة أثارت الصدمة وتم لفلفتها كما يقال…. أما كيف؟ فقد تمت بحسب من حضروا اللقاء العشائري الذي اداره سبعاوي ابراهيم الحسن ولم يحضره صدام حسين بأن اقتاد رجال سبعاوي سلفه في إدارة المخابرات فاضل البراك وهو شبه مخدر ولم يتكلم مطلقا وكأنه غائب عن الوعي ونشب جدل كلامي شديد بين سبعاوي و ثلاثة من الحاضرين ممن شكك وجادل بما سمعه من سبعاوي، فانفعل سبعاوي ابراهيم كثيرا وانهى اللقاء مسرعاً وعاد الى بغداد وبعدها اعدم البراك حيث كان هو المطلوب وألصقت به هذه التهمة ولا يوجد لا دافع لهذه التهمة ولا مقابل لها فهي تهمة تدين النظام نفسه قبل الرجل كونه رجل استخباراتها الأول لمدة 22 عاما ورجل العمل السري خاصة أن أقرباء البراك المقربون جدا بقوا في وظائفهم بجهاز المخابرات ولم يتم المساس بهـــــــم وهي حالة غير معتادة من نظام دأب على الانتقام من ذوي من يصفهم بالمتأمرين .

وفي عام 1995 أعيد اعتبار الرجل واسدل الستار على المسرحية واطلق سراح المعتقلين جميعا وعاد من عاد منهم الى عمله ووظيفته وأغلق الملف وطويت صفحة الرجل الذي رحل حاله حال اناس كثيرين غادروا الحياة من اجل كلمة او موقف لم يعجبا النظام.


بتخويل من الكاتب "علي زيدان"

أخر تعديل: الجمعة، 09 آب 2019 12:12 ص
التعليقات