بغداد بوست - أخبار العراق - Iraq News

لم نعد نحفظ

من يستطيع أن يزعم أنه حافظ رقم هاتف زوجته؟ ستكون الإجابة أسهل ممّا يقتضي التفكير، الحفظ صار جهدا مكلفا على الدماغ، من الأفضل أن أحفظ أمورا أكثر أهمية ولا يمكن أن أجدها متاحة لي! بيد أن لا أحد يخبرنا عن مستوى أهمية وجدية تلك الأمور.

ما هي تلك الأمور التي نزعم أننا نفضل حفظها على غيرها، إذا كنا افتقدنا القدرة على الرغبة بالحفظ أصلا في زمن تكنولوجي سهل، ولم يعد أثر لوجود معلم يرفع العصا بوجه من لم يحفظ جدول الضرب!

إننا لم نعد نحفظ ليس لعدم وجود عصا لمن عصى! بل لأن أدمغتنا برمجت على السهولة وتقبل الأمور الجاهزة، هذا يعني ببساطة أننا أضعنا القصة التي نبحث عنها وصار الإنسان عدوّ نفسه.

بالأمس وصلني تطبيق من شركة أوبر يحرضني على الاشتراك في خدمة توصيل الطعام مع مغريات جديدة وتخفيض في الأسعار، فهذه الشركة لم تكتف بإيصالنا أينما نريد، بل صارت توصل لنا الطعام إلى منازلنا، فكرة جديدة تحرض على الكسل، والتوقف عن طهي الطعام الصحي وتذوق مكوناته المنزلية المطبوخة بأناة وبمكونات طبيعية، والقبول بكل ما يقدم لنا.

لم نعد نحفظ، ولم نعد نطبخ، ولم نعد نكتب بل نطبع… الطريقة التي تنتظرنا هي أن نصل في يوم ما إلى أن الإنسان لم يعد يفكر، وهذا يعني أنه لا يكترث لوجوده! فهناك حشد من الوسائل التي تقترح عليه وترشده وتتخذ قرارات نيابة عنه. فالذكاء الاصطناعي بدّد الاستجابة لتدافع الناس باتجاه فهم من أين أتينا وإلى أين نتجه؟

هناك “جرح عميق ألحقناه بأنفسنا” حسب وصف مارك فريدمان، مؤلف كتاب “كيف تعيش إلى الأبد”، وربما نصل في يوم ما إلى ما إذا كان ينبغي لنا أن نستمر في الحديث عن الإنسان العاقل باعتباره نوعا منفردا، بعد مسيرة ناجحة إلى حدّ كبير على مدار 70 ألف عام، حسب تساؤل جون ثورنهيل الكاتب في صحيفة فايننشال تايمز البريطانية.

ليس علماء الاجتماع وحدهم من يشعرون بخيبة الأمل في شأن حالة العالم، بل الإنسان نفسه صار يطلق سؤال الخيبة على نفسه بلا تردد منذ سنوات.

قبل أكثر من مئتي عام كتب جوناثان سويفت ساخرا “ما هو باطل يطير أدراج الرياح، ثم تأتي الحقيقة بعده عرجاء”، ولو تسنى لهذا السياسي والكاتب البريطاني الساخر أن يكون بيننا اليوم في زمن تكنولوجي لم نعد نحفظ فيه شيئا، ماذا كان سيصنع مع ترهلنا؟

من دون أن يؤمن الإنسان بنفسه، يضيع كل شيء، خاصة عندما يتضاءل الإيمان بقدرة العقل على صناعة الأفكار النيرة، واليوم الإنسان أكسل من أن يفكر أو يحفظ حتى رقم هاتف زوجته!
إقرأ ايضا
التعليقات