بغداد بوست - أخبار العراق - Iraq News

إيران.. ورقصة الطائر الذبيح

تكاد إيران في الأيام والساعات الأخير أن تضحى شديدة القرب من الطائر الذبيح، الذي يؤدي رقصته الأخيرة، وهو يعلم أن ساعته قد اقتربت، قبل أن يدفع نفسه في وجه الشوكة الأكبر والأخطر، التي تخترق صدره لتمزقه، ويمضي معها إلى رحلة النسيان.

من جهة أخرى يبدو المتابع لتطورات المشهد الأميركي – الإيراني في حيرة من أمره، سيما وأن الارتباك يعم الأرجاء، والسيناريوهات مفتوحة على كافة الاحتمالات، أن حربا أو حربا، فالإيرانيون لا دالة لهم على السلم، وعلى غير المصدق أن يستمع إلى تصريحات الحرس الثوري الإيراني، سيد المشهد في طهران اليوم، ورفضه العلني للتفاوض مع واشنطن.

حسنا لنجمل القصة في بعض النقاط ولنترك للقارئ أن يستنتج ما شاء له أن يستنتج من نهايات للقصة.

البداية من عند رئيس أميركي يفعل ما يعد به، لا يتردد ولا ترتعش يداه، يفكر بعزم ويعمل بحزم، وقد بلغ شأن إيران عنده النهايات، فأما أن ترتدع مرة وإلى الأبد، وأما فالأسوأ برا وبحرا وجوا قادم لا محالة.

طهران أمام رئيس أميركي عزم العقد على تصفير صادرات إيران النفطية دفعة واحدة، ما يعني تضييق الخناق على رقبة الإيرانيين داخليا وخارجيا، ولهذا يجد الملالي أنفسهم أمام سيناريوهات ثلاثة :

أولا الاستسلام التام: وهذا أمر يكاد يكون مستحيلا للذين طال بهم المقام لأربعة عقود، في ثورة صدرت الموت والإرهاب والقلاقل لأرجاء لمنطقة والعالم، وعليه فإنهم يفضلون أن تكون نهاياتهم رقصة الموت أولا، بما يحمله الأمر من عمليات إرهابية، وإخلال بأمن وأمان المنطقة، وما التحذير الأميركي الأخير للسفن التجارية من هجمات إيرانية محتملة إلا مقدمة لخطط الحرس الثوري وخلاياه المنتشرة في المنطقة، انتظارا لأوامر نهائية بتنفيذ الخيار شمشون.

ثانيا الرهان على الانتظار: بمعنى أن الإيرانيين وإن تجرعوا السم من جراء العقوبات التي فرضها ترمب وسيفرضها، فإنهم سيصبرون ويثابرون وإن على مضض، على أمل أن يسقط الأميركيون الرئيس الجمهوري دونالد ترمب في انتخابات الرئاسية المقبلة في 2020، فربما يتبسم لهم الحظ في قادم الأيام، من خلال رئيس ديمقراطي، قد يعيد سيرة باراك أوباما الأولى، ويسمح للمياه بالعودة إلى مساربها الطبيعية مرة أخرى .

غير أنه وبنظرة عميقة يدرك المرء أن الرؤى السياسية الأميركية وبغض النظر عن توجهات ترمب تكاد تجمع على أن إيران أضحت خطرا حقيقيا يهدد أمن وسلام العالم عامة، والمصالح الأميركية بنوع خاص، ما يفيد أن التلاعب على المتناقضات الحزبية في الداخل الأميركي، أمر غير ذي جدوى في الحال او الاستقبال .

ثالثا: خيار المقاومة : وهذا الطرح الثالث يعني الدخول في مواجهة عسكرية إيرانية مع القوات الأميركية في منطقة الخليج العربي، وبحر العرب والبحر الأبيض المتوسط، والبحر الأحمر .

نظريا لدى إيران وكلاء من الميليشيات في أربعة مواقع مهمة وحساسة خليجيا وشرق أوسطيا، تبدأ من اليمن حيث الحوثيين بالقرب من باب المندب، وفي لبنان حيث حزب الله وصواريخه المهددة لإسرائيل تحديدا، وفي القلب من سوريا، وداخل العراق، وفي الموقعين الأخيرين هناك أهداف أميركية ومصالح من البشر والحجر .

الإيرانيون بدءا من المرشد الأعلى، وصولا إلى قائد الحرس الثوري الجديد "حسين سلامي" الرجل الذي خاض معارك بحرية خلال حرب العراق، يتوعدون جديا بإغلاق مضيق هرمز حال فقدوا فرص تصدير نفطهم إلى الخارج، وليس سرا أن هناك خططا إيرانية مختلفة لإعاقة الملاحة في المياه الخليجية وعند المضيق وبالقرب من باب المندب، عبر نشر الغام إيرانية بحرية قد تسبب ارتباكا بالغا في أسواق الطاقة حول العالم .

لكن السؤال هل الإيرانيون قادرون على تفعيل المسار الثالث هذا؟ وهل عليهم أن يختبروا نوايا الرئيس الأميركي الحقيقية؟

منذ فترات بعيدة لم نر تحركا أميركيا هجوميا مكثفا على النحو الذي رأيناه في الأيام القليلة الماضية، سيما أن المجموعة الهجومية التي تقودها حاملة الطائرات إبراهام لنكولن في البحر، وطائرات "إف-52" التي تحمل أسلحة نووية ووصلت بالفعل اربعة منها إلى القواعد الأميركية في قطر، ناهيك عن انظمة الصواريخ الأميركية الحديثة التي لم تخطر على قلب بشر، جميعها تفيد بان ابواب الجحيم قد تنفتح على إيران، وبما لا قبل لها به، وبلغة العسكريين فإن "ميزان الانتباه" العسكري بين الجانبين، يرجح ضربة جراحية أميركية لا تصد ولا ترد كفيلة بإرجاع الملالي إلى ثلاثة قرون وليس ثلاثة عقود إلى الوراء، لا سيما وان الضربات ستبدأ حال القارعة بشكل متدرج وفي انتظار ردات الفعل الإيرانية، وهل تأتي محسوبة وعقلانية، بما يقصر من زمان المعركة أم عنترية جنونية، ما يجعل من طهران شرارة ربما لمواجهة عالمية؟

لكن هل يمكن بالفعل لبقية القوى النافذة على مربع الشطرنج الأممي أن تنجر إلى حرب عالمية من جراء إيران؟

يمكن بداية القول إن أوروبا والتي حاججت كثيرا في شأن رفض الانسحاب الأميركي من الاتفاقية النووية، هي اليوم أقرب من أي وقت مضى من العم سام وساكن البيت الأبيض، وترفض فكرة الستين يوما التي أمهلتها لها إيران لمساعدتها على الخروج من مازقها الحالي .

تاليا، لا يظن أي محلل سياسي أن الإيرانيين يراهنون على الروس، فهم يعلمون تمام العلم أن لا مصلحة لموسكو في أن تنشأ بالجنوب منهم قوة إيرانية دوجمائية أصولية راديكالية نووية، بل إن الصدامات التي جرت في سوريا بين القوات السورية والميليشيات الإيرانية، تؤكد على أن النار تحت الرماد، ويمكن كذلك أن تكون إيران موقعا وموضعا لقسمة غرماء بين واشطن وموسكو .

أما الصين فلا يظن أحد أنها مهمومة أو محمومة بالشأن الإيراني، أو أن تزج بنفسها في لجج معركة أن اشتعلت ستمسك بتلابيبها بشكل أو بآخر، بكين جل اهتمامها هو النفط، وستجد بدائل ومن يعوض عليها، وحتى إن كانت معركتها قادمة يوما ما في سبيل القطبية العالمية، إلا أنها هي من يحدد الزمان والمكان والعدو وليسوا الملالي .

السؤال الأخير ضمن الاسئلة التي هي محركات الفكر: "هل أميركا ساعية إلى حرب مع إيران كقدر مقدور في زمن منظور؟

تصريحات جماعة الأمن القومي الأميركي تقول إن ذلك ليس هو الهدف، بل الغرض الرئيس هو تغيير النظام الإيراني لسلوكه وآليات حكمه، أدواته ورؤاه الشمولية، ووضع الاثني عشرا طلبا أميركيا موضوع التنفيذ .

غير أن واقع الحال يخبرنا أن ذلك لن يحدث بالمرة، ولهذا يقطع ترمب بأنه مستعد لمواجهة عسكرية مع إيران، حال رفضت الجلوس إلى مائدة المفاوضات للاتفاق على وثيقة نووية جديدة .

الخلاصة: أغلب الظن يخطئ من يعتقد بامتلاك رؤية مستقبلية للمشهد.. إنها كرة اللهب التي تتدحرج إلى أن ترتطم بقاع الجبل .

إقرأ ايضا
التعليقات