بغداد بوست - أخبار العراق - Iraq News

قمّة تونس والمعطيات الجديدة

كانت القمّة العربية الرقم 30 نجاحا تونسيا. هناك بلد عربي يحاول استعادة عافيته في ظلّ ظروف داخلية وإقليمية في غاية الصعوبة وفي ظلّ تجاذبات فرضها الاخوان المسلمون (حركة النهضة) الذين يسعون الى الاستيلاء على السلطة عبر صناديق الاقتراع بهدف اخذ تونس الى مكان آخر.

على الرغم من كلّ الصعوبات والتعقيدات، استطاعت تونس تنظيم القمّة في أجواء معقولة ومقبولة الى حدّ كبير. جاءت القمّة في وقت تعمل حركة النهضة على اخذ تونس الى مكان ابعد ما يكون عن تونس  الخضراء التي يحلم بها الرئيس الباجي القائد السبسي الذي سعى الى الاستفادة قدر الإمكان من تركة الحبيب بورقيبة. تريد النهضة الانتقام من بورقيبة. تريد حتّى الانتقام من إيجابيات في عهد زين العابدين بن علي الذي تظلّ مشكلته الأساسية في انّه لم يستطع ان يكون اكثر من ضابط شرطة في بلد يحتاج الرئيس فيه الى رؤية سياسية شاملة بعيدا عن الصغائر والحساسيات ذات الطابع الشخصي والخوف الدائم من ولادة سياسي يتمتع بجاذبية لدى الناس ولا يقع في اسر زوجته الثانية وافراد عائلتها.

يحاول الباجي قائد السبسي استكمال رحلة بورقيبة الذي حاول منذ الاستقلال في العام 1956 إقامة بلد عربي حضاري وعصري لا علاقة له بالتخلّف، بلد ينصف المرأة وتكون فيه مؤسسات في خدمة المواطن ويعمل من اجل تغلّب سلاح المنطق على كل ما عداه. عمل بورقيبة على مصالحة العرب مع المنطق في ستينات القرن الماضي. كانت النتيجة انّهم خوّنوه ليكتشفوا بعد فوات الاوان انّ الاستماع الى ما قاله لهم في خطاب اريحا المشهور الذي سبق هزيمة العام 1967 بسنتين، كان سيوفّر عليهم الكثير.

نجحت تونس في تنظيم القمّة التي كشفت اوّل ما كشفت الحاجة العربية الى التصالح مع المعطيات الجديدة في الشرق الاوسط والخليج في ضوء انفجار دول من داخل. في مقدّم تلك الدول التي انفجرت من داخل تأتي سوريا التي تحتاج اوّل ما تحتاج الى مرحلة انتقالية سيتبيّن بعدها هل هي دولة قابلة للحياة ام انّ الهمّ الوحيد للنظام القائم هو استكمال عملية تفتيت الكيان الذي كان في كلّ وقت حائرا مع نفسه منذ اليوم الاوّل لقيامه في اربعينات القرن الماضي. ما يؤكّد تلك الحيرة الانقلاب العسكري الذي قام به حسني الزعيم في العام 1949 ثمّ الوحدة الاندماجية مع مصر في العام 1958، وهي وحدة يمكن ان تكون لها علاقة بكلّ شيء باستثناء المنطق.

من هذا المنطلق، يمكن القول انّ القمة نجحت تنظيميا لكنّها فشلت الى حدّ ما سياسيا، باستثناء انّها حدّدت الخطوط العريضة للسياسات العربية، في مقدّمها ضرورة التصدي لإيران ومشروعها التوسّعي. لا يهدّد هذا المشروع كلّ دولة عربية فحسب، بل يستهدف ايضا المجتمعات العربية وذلك عبر رهانه على اثارة الغرائز المذهبية والاستثمار فيها. لعلّ ما يدور في العراق وسوريا ولبنان واليمن خير دليل على ذلك.

هذا النجاح في التركيز على ايران لا يخفي غياب أي خطوة عملية على ايّ صعيد في وقت هناك إدارة أميركية لا يهمّها باي شكل ان تكون هناك عملية سلام في الشرق الاوسط. هذه الادارة مستعدة لاتخاذ خطوات لا علاقة لها بالمنطق من نوع الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الاميركية اليها، في حين ليس سرّا ان المدينة بقسمها الشرقي احتلتها إسرائيل في العام 1967 عندما كانت تحت السيادة الاردنية.

تكمن مشكلة القمّة في انّها تعكس ايضا عجزا عربيا عن التعاطي مع واقع جديد اسمه إدارة دونالد ترامب التي تمتلك عالما خاصا بها. من حسنات الادارة تمزيق الاتفاق في شأن الملفّ النووي الايراني ومعرفتها التامة بخطورة ما تشكله السياسة الايرانية. ومن سيئاتها الانحياز الكامل لإسرائيل من دون اخذ في الاعتبار ان هذا الانحياز يخدم ايران التي تتذرع دائما بإسرائيل لتبرير ما تقوم به في هذا البلد العربي او ذاك عبر ميليشيا مذهبية تابعة لها.

بين الموقف الاميركي الايجابي من ايران والقرارات المتخذة في القمّة والتي تناولت الوضع العربي، هناك ثغرة كان لا بدّ من سدّها. على سبيل المثال وليس الحصر، ما الفائدة من استعداء الإدارة الاميركية على الرغم من كلّ انحيازها لإسرائيل؟ هل في الإمكان تحقيق أي تقدّم على صعيد العملية السلمية من دون الدور الاميركي؟ كان لا بدّ من العودة الى المنطق الذي حاول الحبيب بورقيبة ان يصالح جمال عبدالناصر والفلسطينيين معه في العام 1965 عندما القى خطابه المشهور في اريحا التي لم تكن بعد تحت الاحتلال الإسرائيلي ودعا فيه الى قبول قرار التقسيم للعام 1947. كانت النتيجة، وقتذاك، ان دعت منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة احمد الشقيري، بتشجيع من مصر، الى طرد تونس من جامعة الدول العربية. اعطى التاريخ الحق لتونس التي لم تستضف لاحقا قمما عربية عدّة فحسب، بل استقبلت ايضا المقاتلين الفلسطينيين وقيادتهم عند الخروج من بيروت صيف العام 1982. حسنا، استعدى الفلسطينيون الإدارة الاميركية وسار الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس (أبو مازن) على خطى احمد الشقيري. ما الفائدة من ذلك في السنة 2019؟

تسلّحت القمة بالمبادرة العربية التي اقرتها قمّة بيروت في العام 2002 بغية تجاوز العجز عن تحديد خطة لكيفية التعاطي مع ترامب ورجال ادارته. لم تكن لدى الزعماء العرب ما يتحدثون عنه غير المبادرة العربية التي ترفضها إسرائيل منذ اليوم الاوّل لاقرارها. ما الذي سيجبر إسرائيل في يوم من الايّام على القبول بالمبادرة العربية؟

ما ينطبق على التمسك بالمبادرة العربية ينطبق أيضا على رفض القمّة قرار ترامب القاضي بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان المحتلة. لا يختلف اثنان على ان الهضبة ارض سورية محتلّة، علما انّ قسما منها فلسطيني، وان الإدارة الاميركية تقصّدت الانتهاء من كلّ قرارات الشرعية الدولية التي كانت في الماضي تتحكّم بعملية السلام. هذا لا يمنع التساؤل من سيتسلم الجولان في حال انسحبت إسرائيل من المرتفعات المحتلّة؟ هل لا يزال هناك شيء اسمه سوريا كي تتسلّم المرتفعات ام يدخلها "الحرس الثوري" الايراني الساعي الى إدارة ميناء اللاذقية؟

تفادت القمّة الأسئلة المحرجة. مرت مرور الكرام على رفض النظام السوري الاعتراف بان مزارع شبعا أراض لبنانية كي يصبح في الإمكان الطلب من إسرائيل الانسحاب من هذه المزارع المحتلة مع الجولان؟

هناك معطيات جديدة في المنطقة في حاجة الى طريقة تفكير جديدة لم تستطع القمّة العربية التكيّف معها.

 نجحت القمّة تنظيميا بفضل تونس، الساعية الى المحافظة على نفسها. استطاعت تونس بمساعدة جامعة الدول العربية وضع نفسها في موقع الدولة التي لم يقض عليها "الربيع العربي" نهائيا وأثبتت انه ما زال لديها ما تقدّمه للعرب الآخرين، خصوصا اذا تمكنت من منع الاخوان المسلمين من الاستيلاء على السلطة فيها.
إقرأ ايضا
التعليقات