بغداد بوست - أخبار العراق - Iraq News

نيوزيلندا: الكراهية المنظمة

جسّد ما جرى في نيوزيلندا قمة جديدة من عنف الكراهية المنظمة. قاتل محترف يتقدم بسلاحه بعدما ارتدى كاميرا نقلت الجريمة بشكل مباشر على وسائل التواصل الاجتماعي طيلة 17 دقيقة.
فيديو القتل يتم بثه بدم بارد بعدما نُفِّذ بطريقة مدروسة ومشغولة، بحيث شكَّل محاكاة لألعاب الفيديو لاستقطاب وإغراء الكثير من الفتيان والشباب المتأثرين بالعنف والمأخوذين به، بأن بوسع كلٍ منهم تحويل الخيال إلى واقع، ما يؤجج من التطرف الأعمى الكامن لدى أعدادٍ تتزايد في السنوات الأخيرة باطراد.
القاتل المدرب جيداً والمحترف في الإجرام كان يعي بدقة ما يقوم به، لذا تم التحضير للجريمة الرهيبة ببيان سياسي خطير استوحى النظريات التي يعممها اليمين الأوروبي المتطرف، وبالأخص نظرية الكاتب الفرنسي رونو كامو الذي يتحدث عن اندثار شعوب أوروبا التي تُستبدل بـ«غزاة» هم عموماً من المهاجرين، وهم على الأغلب من المسلمين. لذلك كانت الكتابات على السلاح الذي استخدمه، كما على الأسلحة التي لم يتمكن من استخدامها، تبرز أسماء شخصيات عسكرية قاتلت الإمبراطورية العثمانية قبل عدة قرون، أو شخصيات إرهابية ارتكبت الفظائع في العقود الماضية، كمثاله الأعلى سفاح النرويج أندريس بريفيك الذي ينتمي أيضاً لليمين المتطرف والذي قتل 77 شخصاً في عام 2011، وهو ادعى أن عمله الإجرامي موحى به، ويستحق البراءة لأن ما قام به كان بهدف حماية النرويج من الهجمة الإسلامية! واليوم يتباهى القاتل النيوزيلندي بتأكيده «أراضينا لن تصبح لهم أبداً»، وأن في ترهيب «الغزاة» يريد أن يدفعهم إلى الرحيل!
هناك الكثير من الأمور اللافتة في وقائع المجزرة، التي أودت بحياة أكثر من 50 من المصلين في مسجدين، وأصابت بجروح متفاوتة عدداً مماثلاً، أبرزها رباطة جأش القاتل الذي بدا أنه تلقى تدريباً عالياً على استخدام السلاح وأساساً على القتل بدم بارد، فظهر ذلك في حركته وهو بثقة مفرطة يطارد المصلين، يطلق النار بدقة ويكرر فعلته كي يتأكد أن الجريمة الكاملة أُنجزت. يتنقل بين الضحايا الممددين على الأرض وفي الزوايا وخلف الجدران. وتأخذنا المذبحة إلى صورٍ قدمتها لنا السينما عن مجرمي الـ«كوكلاكس كلان» المغرقين في تطرفهم اليميني، الذين كانوا يغيرون على المواطنين السود يحرقون المنازل بعد قتل سكانها، ويتلذذون بحرق الأحياء وشنقهم، لكن مع فارق أن هذه العصابات كانت تغير في الظلام، وكان المجرمون يرتدون الأقنعة لإخفاء الأثر، فيما برينتون تارانت القاتل النيوزيلندي ارتكب الجريمة في ضوء النهار وكان سافراً متحدياً، وهو أكد أنه «لا يشعر بالندم» وكان «يتمنى فقط لو استطاع قتل أكبر عدد من الغزاة الخونة».
الجريمة الوحشية التي أصابت العالم بالهلع، تؤكد أن «الذئاب المنفردة» موجودة في كل الأديان وفي كل الأماكن، لأن التطرف موجود وتتم تنميته في نفوس المغالين بتديّن كاذب. لكن مهلاً هذه الجريمة تندرج في سياق عنصري تنطلق من مفهوم تفوق العرق الأبيض الذي يقدس العنف المسلح والكراهية للآخر المختلف. عنف يفضح في نهاية المطاف عنصرية ميّزت التطرف الذي عبّرت عنه الفاشية والنازية، ورغم الهزيمة والتجريم، يعود هذا العنف ويأخذ أشكالاً مختلفة تتركز في هذه الحقبة التاريخية على المسلمين.
بهذا لسنا أمام مجرد حالة «ذئب منفرد» يائس هو مجرد صاعق نتيجة عملية غسل دماغ. إنه كل هؤلاء وفوقهم هو صنيعة فكر وأجهزة إجرامية عملت على تنمية حقدٍ علّبته واستثمرت فيه، وإلاّ كيف لشخص واحد أن يتمكن من تقديم أطروحة تاريخية عن صراعات عفى عليها الزمن وقراءة مقيتة لأحداث، ثم يظهر كل هذا المستوى من التدريب والتسلح والحركة المنظمة لتنفيذ مخطط محكم... ليس مجرد متطرف وبالتأكيد لم يكن مختلاً ولا مهووساً وهنا تكمن المسألة والصعوبة، لأنه في حالات كثيرة سابقة كانت الإدانة مشكولة وكثر، ربما بنوايا صادقة، ذهبوا لتقديم قراءة معينة لجرائم كراهية فوقعوا في النقيض وهو التبرير.
بدا العالم مذهولاً وعبر عن مواقف موحدة داعية لمحاربة الكراهية والعنف والتطرف، وكم كانت رائعة رئيسة وزراء نيوزيلندا التي وصفت ما جرى بـ«الهجوم الإرهابي» ووعدت بإجراءات من بينها حق اقتناء السلاح، وكم هي معبرة وقفة النيوزيلنديين الذين حملوا الورود إلى مكان الجريمة تضامناً مع الضحايا. واعتبر مجلس الأمن الدولي أن هذا الإرهاب «أخطر تهديد للسلم والأمن الدوليين»، ورفض أي محاولة للتبرير، وشدد على «ضرورة مساءلة مرتكبي الإرهاب ومنظميه ومموليه ورعاته». وهنا بيت القصيد، لأنه من دون معالجة الأسباب والجذور قد يُفرض صراع يضع العالم بأسره بين مطرقة هذا الإرهاب وسندان الدواعش، وخصوصاً الجهات المتطرفة، ومنها المغرقة في المذهبية التي استثمرت في الدواعش وأضرابهم!
إقرأ ايضا
التعليقات