بغداد بوست - أخبار العراق - Iraq News

تقرير| العراقيون ينفقون مبالغ باهظة على المدارس الأهلية وسط تردي التعليم الحكومي (صور)

11

بعد عقود من سيطرة الدولة على قطاع التعليم، سمحت بإنشاء مئات المدارس الخاصة التي يأمل الاهالي أن تساعدهم على إيصال أولادهم وبناتهم لأفضل جامعات البلاد، لكن موجة افتتاح الكثير من المدارس الخاصة تعتبر أيضا علامة على تدهور التعليم الحكومي العراقي وسط العقوبات القاسية، وغزو العراق عام 2003، ومؤخراً، الصراع الطائفي الذي أطاح بسيطرة حكومة بغداد على جزء كبير من شمال البلاد.

ففي السنوات الأخيرة، غادرت العائلات الميسورة المدارس الحكومية بسبب الاكتظاظ، والصفوف الدراسية المتداعية وسوء الوضع الأمني وازدياد الفساد بين المعلمين والمسؤولين الحكوميين لتستقبلهم المدارس الخاصة بأذرع مفتوحة.



وباتت المدارس الأهلية تمثل عبئًا إضافيًا على مدخولات العائلة في ظل الإقبال المتزايد عليها؛ بسبب التردي الحاصل في التعليم الحكومي، وسط اتهامات من الأهالي بوجود تواطؤ بين الطرفين، والظاهرة الجديدة لا تعدو كونها واحدة من أشكال التجارة العديدة بعد الاحتلال، في وقت تؤكد مسؤولة في وزارة التربية، أنها تخضع لجميع الضوابط والشروط الرسمية الصارمة، وأن الغلق سيكون مصير أي مدرسة أهلية مخالفة.

ولا توجد حتى الآن إحصائية دقيقة عن عدد المدارس الأهلية في العراق، وذلك بسبب التزايد المستمر لها، حتى فاقت الــ1500 مدرسة -بحسب تقديرات المختصين-، ويستحوذ التعليم الأساسي “الابتدائية” على العدد الأكبر منها، وتأتي بعدها رياض الأطفال والمدارس الثانوية، وتتركز النسبة الأكبر منها في العاصمة بغداد، تليها المحافظات الجنوبية وباقي المدن، في حين تسجل أقل عدد لهذه المدارس في محافظة “الأنبار” غرب العراق.




ويصف “أحمد عبدالسميع البياتي” لجوءه إلى تسجيل أولاده في مدرسة خاصة، بأنه حل اضطراري لا مفر منه، بعد تردي مستواهم العلمي بشكل كبير؛ نتيجة الزحام وعدم انتظام الدروس، والمتابعة في المدرسة الحكومية التي كانوا فيها، مضيفًا بأنهم يحصلون الآن على مقاعد مستقلة، ولغات إضافية، وأساليب تحفيزية مبتكرة للنجاح والتفوق في المدرسة الأهلية المشهورة، والتي بات التسجيل والحصول على مقعد فيها يتم بالواسطة رغم نفقاتها العالية.

ويبين “البياتي” الذي يعمل في مجال تنفيذ المقاولات للدوائر الحكومية، بأنه يدفع 10 آلاف دولار سنويًا -أكثر من 12 مليون دينار- للمدرسة التي يتعلم بها أبناؤه الثلاثة، فضلًا عن نفقات شراء الزي الموحد، والقرطاسية، والمواصلات الخاصة، والتي تكلفة سنويًا بحدود الـــ3 آلاف دولار -4 ملايين دينار-، مشيرًا إلى أن هذه النفقات ستشهد زيادة بنسبة الضعف، بعد انتقالهم إلى مرحلة الدراسة الثانوية، والتي يعتزم بأن تكون أيضًا ضمن مدارس القطاع الخاص .

وبالرغم من هذه النفقات العالية فإن “البياتي” يؤكد أنها تستحق أن يتحملها مقابل المناهج العلمية وطرائق التدريس والتربية المتبعة في مدرسة أبنائه، والتي يحرص مديرها والكادر التدريسي على متابعة جميع التفاصيل معه عبر الهاتف، حتى وصل بهم الأمر إلى زيارة أحد أبنائه في البيت عند تعرضه لوعكة صحية خفيفة، مشيرًا إلى استعداده لتحمل نفقات مالية أكثر من الحالية، في سبيل حصول أبنائه على التعليم الممتاز، والذي يؤهلهم مستقبلًا لنيل وظيفة مرموقة في العراق أو خارجه، وإحراز مؤهل علمي يمكنهم من العمل في تخصص راقٍ من الإعمال الحرة.



وإذا كان “البياتي” يتحمل نفقات تعليم أبنائه في المدارس الخاصة؛ فإن “سلام كريم الحياني” يعتبرها السبب الأول في المشاكل المستمرة داخل بيته، حيت يتشاجر باستمرار مع زوجته التي تصر على إخراج ولديها من المدرسة الحكومية، وإلحاقهم بمدرسة أهلية سمعت عن مستواها المتميز من جارتها، التي تفتخر بتفوق ابنها الطالب في هذه المدرسة.

“الحياني”، وهو موظف في وزارة التخطيط أوضح أن الموضوع بات يدخل ضمن الغيرة النسائية، والتفاخر الذي كان سابقًا يدور حول الممتلكات الخاصة، بينما دخلت المدارس الأهلية اليوم ضمن هذه الغيرة، مبينًا عجزه التام عن دفع 7 آلاف دولار سنويًا مقابل التحاق ولديه بالمدرسة الأهلية الواقعة في منطقة “المنصور” غرب بغداد؛ لأن راتبه الشهري يعجز في معظم الأحيان عن سداد نفقات الإيجار، ومصروف البيت، وشراء العلاج للأمراض المزمنة التي يعاني منها.

ويتمسك “الحياني” بموقفة الرافض لالتحاق ولديه بالمدرسة الأهلية، مبينًا أن حرص الطالب ومساعدة أهله له في استحضار الدروس -وبشكل يومي-؛ كفيلان بتفوقه سواء في المدارس الحكومية أو الأهلية، وبعيدًا عن مظاهر التفاخر بالزي الذي يلبسه، أو السيارة التي تقوم بتوصيلة إلى المدرسة، أو عدد السفرات السنوية التي تنظمها المدرسة لهم، أو غيرها من الامتيازات التي توفرها لهم إدارة المدرسة الأهلية، مستغربًا من الإصرار عليها بالرغم من أن جميع أساتذة ومدراء ومشرفي هذه المدارس تخرجوا من مدارس حكومية، فضلًا عن جميع الكفاءات العلمية العراقية التي خدمت الدولة، وساهمت حتى بتطور الدول العربية والأجنبية، طيلة العقود الماضية من تاريخ الدولة العراقية.


و يؤيد المشرف التربوي السابق “حمزة الجنابي” رأي “الحياني” بخصوص التعليم الحكومي في العراق، مؤكدًا بأنه استطاع في سبعينات القرن الماضي -وبشهادة منظمة اليونسكو– أن يصل إلى مستوى تعليمي يماثل الموجود في الدول الاسكندنافية، بينما سجل في الثمانينات أقل نسبة من الأمية بين العراقيين، وتصدر بشكل دائم مع الدول العربية ذات النسب الأعلى من المتعلمين.

ويضيف “الجنابي” أن الجامعات والمستشفيات ومراكز البحوث في الوطن العربي، وخصوصًا دول الخليج، بالإضافة إلى أوربا وأمريكا حرصت وتنافست سابقًا على الفوز بالكفاءات العراقية المشهود لها بالتميز والتفوق، وهي جميعًا تخرجت من المدارس الحكومية، وبعضها جاءت من مدارس القرى والأرياف، وحتى المناطق الحدودية، معربًا عن أسفه بأن يصل الحال بالتعليم إلى الشكل الموجود في الوقت الحاضر، والذي ينظر إليه واحدةً من أشكال التجارة التي انتشرت بعد الاحتلال الأمريكي، الذي ساهم بتدهور معظم المؤسسات الحكومية، ومنها التعليم مقابل ازدهار مثيلاتها التابعة للقطاع الخاص.

المشرف الذي أمضى أكثر من 3 عقود في المجال التربوي؛ يؤكد بأن مشروع امتلاك المدرسة الأهلية يعد واحدة من أكثر الأعمال رواجًا في العراق اليوم، متابعًا بأن مشروع المدرسة الأهلية في بغداد -وتحديدًا في الأحياء الراقية منها- يمكن أن يعود على صاحبه بأرباح تتجاوز الــ100 ألف دولار سنويًا قابلة للزيادة، في حال تنظيم دورات التقوية في العطلة الصيفية.
ويتابع “الجنابي” بأن هذه العوائد المادية جعلت من المؤسسات التعليمية الأهلية محط أنظار أصحاب رؤوس الأموال، الذين لا يأبهون بالرسالة التربوية، ويكون تركيزهم مقتصرًا على الأرباح والتوسع المستمر، مبينًا أنه يعرف مدير مدرسة في منطقة “اليرموك” ببغداد؛ ألزم جميع المدرسين بوضع علامات متقدمة لمعظم التلاميذ، وبغض النظر عن مستواهم الدراسي؛ خوفًا من أولياء الأمور الذين يقومون -وبكل سهولة- بسحب أبنائهم من هذه المدرسة وتسجيلهم في أخرى.

و يعتقد “الجنابي” بأن التدهور الحالي في المؤسسة التعليمية الحكومية، هو نتيجة صفقة وتواطؤ -بحسب تعبيره-، تجري بين القائمين على المؤسسة من جهة، والتجار ورجال الأعمال من جهة أخرى، مستشهدًا على هذا الاعتقاد بكثرة المدارس الموجودة حاليًا، والتي سيتم افتتاحها في العام الدراسي، والتي يستفيد أصحابها من التسهيلات التي تقدمها وزارة التربية لهم بهذا الخصوص، وفي مقدمتها: التغاضي عن المواصفات والشروط الواجب توفرها في بناية المدرسة وكادرها.

إلا أن المتحدثة باسم وزارة التربية “سلامة الحسن”؛ تنفي وجود أي تهاون مع أصحاب المدارس الأهلية في العراق، والذين يخضعون لتعليمات وأحكام من شأنها أن توفر الأجواء التعليمية المناسبة للطلبة، بينما تتنوع العقوبات التي تُطَبَّق بحق المخالِفين من الإنذار إلى الغلق المؤقت، ووصولًا إلى الغلق النهائي، وإلغاء إجازة المدرسة في حال عدم تلافي المخالفات التي يتم تسجيلها لدى الوزارة، عبر تقارير منتظمة عن حال تلك المدارس.

وأوضحت أن التعليمات تنص على أن يكون مدير المدرسة من حَمَلة الشهادات الجامعية، ولديه خدمة تربوية لا تقل عن 5 سنوات بالنسبة لمدير المدرسة الابتدائية،و7 سنوات لمدراء المدارس المتوسطة والإعدادية، وأن يكون أعضاء الهيئة التدريسية من حَمَلة الشهادات الجامعية، والمؤهلين تربويًا للقيام بالمهمة التعليمية، مضيفةً بأن شهادات المدارس لا يتم الاعتراف بها إلا بعد اجتياز طلبة هذه المدارس للامتحانات الوزارية العامة.




وتبين “الحسن” بأن لجنة من وزارة التربية تقوم بزيارة بناية المدرسة الأهلية قبل منحها الإجازة، للتأكد من توفر الشروط المنصوص عليها في التعليمات الرسمية، حيث تنص على وجود عدد مناسب من الصفوف، وبمساحات مريحة، ومزودة بوسائل التبريد والتدفئة، وأثاث مناسب، وغرف خاصة للإدارة والكادر التدريسي، مع وجود المختبرات والمكتبات وساحات رياضية، مضيفةً بأن المدارس الأهلية يجب أن تلتزم بالمناهج الدراسية المتبعة من وزارة التربية؛ مواعيد الامتحانات والسن القانوني المحدد لتسجيل التلاميذ، وقبولهم في المراحل الدراسية.

وتصر “الحسن” على أن المدارس الأهلية خاضعة -وبشكل مستمر- للجولات التفتيشية من قبل وزارة التربية، التي تستقبل أي شكوى بخصوص هذه المدارس، وتعمل على التحقيق فيها، لافتةً إلى أن الوزارة قامت -ومن 3 سنوات- بتطبيق إجراء جديد، ينص على غلق المدارس الأهلية، التي تحقق نسبة نجاح أقل من 30%؛ باعتبارها فشلت في تحقيق هدف الوزارة الرامي إلى الارتقاء بالمستوى التعليمي للطلبة.

إقرأ ايضا
التعليقات