بغدادُ والشهداءُ والقهرُ

تجمعت حولها شراذم الأرض كأنها كعبة للغازين، يتناهبون حرمتها ويعيثون بها أنّى شاءوا، ويستفزون ما شاءوا من كرامتها، أو كأنها أسد طالما أتعبهم شبابه حتى شاخ وخارت قواه، فتناوشته السكاكين والحراب طعنا.. وما زال بالكاد واقفا.

تلك التي لها من المجد أزله ومن الذكر أبده، تثقل مرارة حاضرها كاهل الأيام، ولربما يواري الزمان وجهه منها؛ مخافة عتاب ما له جواب، فهي بغداد.. وسل عنها دجلة الخير.

ذهبُ الزمانِ وضوعه العطرُ لم تعد كما كانت؛ ففي كل يوم لها جرح تضيق به ألما وتُثكَل بباقة من زهورها البريئة، في كل شارع بقعة دم، ولا سلام في دار السلام.

وبعد أن انطفأت النار في القيودِ وغابت عن ساحة الرشيد بيارق النصر، أما تزال  في نظر الأجيال قلعة للأسود؟ وهل ما تزال عروسا للحرية تغني لأمة العرب وتبني منارة مجدهم؟ أم أن كل ما سطره الشعراء بماء الذهب في وصفها ووصف عزها وزهوها لم يعد يحمل أيا من معانيه ؟

إجابات كل ذلك ومدى الألم في القلوب أراه في عيني كل سائل في الغربة يسألني من أين أنت؟ فأجيبه: من بغداد. حين إذٍ يتدفق سيل من المعاني عبر صمتِ برهة.. تستدركه مجاملة سطحية.. تعقبها أحيانا أسئلة عن الحال هناك، فلمدينتي أثر في نفوس العرب، ولها جرح في قلوبهم.. ومن لا يعشق بغداد!

فرغم جراحاتهم التي باتت تكثر إلا أن إخوتي ما زالت بغدادهم أُمّاً لهم وإن أبعدها من أبعدها عن أهلها وسلمها لغريب ما أخفى عداءها يوما، وما فتئ يكيد لفردوس العرب عله يقلبها جحيما.

ومع ذلك يبقى لمجرد الاسم من المدينة جذر يغذي الروح العربية في شغاف القلوب فخرا من أيام زهوها وشوقا في أيام كأيامها هذه.. وما أصعبها!

هذه الأيام التي تمر بأعمارنا طويلة ولا تساوي شيئا في أعمار الامم ما هي إلا سطور في صفحات ما سيكتبه التاريخ، بعد أن ينهض من تحت رمادنا جيل يسعه ما لم يسعنا في زماننا الذي لن تراه الأجيال من بعدنا سوى حقبة مظلمة.

ولم لا تسميها كذلك أو تمر عليها في كتب التاريخ مرور الكرام كما مررنا على أيام الفرس والمغول والتتار وغيرهم من الغزاة ولم يخطر ببالنا كم كان مؤلما على أولئك الذين عاشوا ذلك الزمان زمانهم، وكم عانا الانسان في حينها من ضياع حقوقه وزوال وطنه، ولم نجد جوابا إذا ما سألنا لم انكسروا وكيف انخذلوا، وربما لو سألنا ووجدنا جوابا لما حل بنا ما حل بهم، أو لكان أخف وطأة.

واليوم بعد أن غابت عن وطني بوارقه وبيارقه، وهوت شعفته دون الدون والأصاغر وتلاشت ملامح وجهه حتى كأني لا أعرفه، هل سنبقى في شتاتنا باحثين عن وطن بديل ونعلم أن ذلك لا يستقيم؟

ولا يستقيم كذلك العيش في وطن ما عاد يسع أبناءه ولا يحفظ لهم دما ولا يصون لهم كرامة، وعمته الفوضى نظاما والفساد منهجا، واستبدل فيه الذي هو أدنى بالذي هو خير.

ولما غدونا بين مضطهد ومهاجر بقت بغداد وحيدة تدندن بالحان الماضي وتصوغ أبياتا عن رؤيتها حول المستقبل غير آبهة بآلام الحاضر، فهي تعلم أن ما تمر به حقبة زائلة كما زالت سابقاتها على مر العصور، واقفة في ظلماء زمانها بانتظار فجر فيه يغاث الناس وفيه يعصرون، وما زالت بغداد تبكينا كما نبكيها وما زال تاريخها يومئ لقارئه كيف وكم تعثرت وما سقطت.. بل خاب عمل الساقطين. 



نقلا عن تعابير

 

س.س

أخر تعديل: 11 29 2016 10:21 م

رابط مختصر



لا يوجد اى تعليق

اضافة تعليق لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المشار إليها إلزامية *

شاهد ايضا

التهديد الإيراني وسُبل مواجهته

date
تشرين الثاني 19 2017 12:00 ص

الانتخابات العراقية.. ما الفائدة؟

date
تشرين الثاني 15 2017 08:40 م

سفراء الخراب الإيراني

date
تشرين الثاني 15 2017 08:20 م