كتابات

د. مثنى عبدالله يكتب: وانطفأت آخر جمرات المقاومة

مثني عبدالله

تتساقط الحواضر العربية في غياهب المجهول الواحدة تلو الأخرى، فبعد بيروت بغداد ودمشق وصنعاء، ثم يأتي الدور على المدن وآخرها كانت حلب، بينما يتغول الهلال الطائفي فيصبغ الأفق بالدم العربي كي يصبح بدرا.

يستنكر جون كيري ما حدث في حلب، وتبكيها وزيرة الثقافة السويدية، وتطفئ فرنسا أنوار برج أيفل، وتقول بريطانيا ألا مستقبل للأسد، وتستنكر الجامعة العربية الوحشية التي حصلت في المدينة، ونخرج في تظاهرات خجولة في الكويت والمغرب وفلسطين وكل المدن العربية، ولندن وإسطنبول وغيرها من المدن الأجنبية.

كل ذلك هراء فلن تحيي هذه الممارسات شهيدا واحدا في حلب، ولن تشبع جائعا أو تكسي عاريا أو تمنح الدفء لمن يهيمون في القفار. إنها وسائل العاجزين المتكاسلين عن مواجهة استحقاقات الحياة الحرة الكريمة.

فهل تراجع الطاغية عن جرائمه، والخامنئي عن مشروعه، وحسن نصر الله عن تطوعه في فيلق الولي الفقيه، بعد كل هذه الممارسات السلمية؟ يقينا لن يحصل كل ذلك ولن تستيقظ الديمقراطيات الغربية من نومها على صوت طفل من أطفال حلب، ولن يصاب الغرب بتأنيب الضمير حين تهوي بناية بفعل القصف الروسي والسوري على شاغليها في كل سوريا، ولن يتوقفوا عن الفرح حين تتناثر الجثث في بلادنا العربية ممزقة بالقصف الروسي والصواريخ الايرانية، لانهم ينظرون الينا على إننا لا نملك شيئا سوى الدين والنفط وكلاهما سريع الاشتعال.

وقد عبر الرئيس الامريكي المنتخب ترامب عن لسان حال كل أوروبا الاسبوع الماضي حيالنا، حين تحدث عن دول الخليج قائلا، إنهم لا يملكون سوى المال، وسنأخذ المال منهم ونبني به مناطق أمنة للسوريين في سوريا.

وقبله تحدث وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون متهما السعودية بأنها تسيء استخدام الدين، كل ذلك سببه أننا أمة بلا مشروع حضاري.

لحلف الشيطان مشروع، وسائله الميليشيات والطائفية السياسية وبيع التشيع بالمال. وهو تحت أمرة قيادة واحدة، والحرب بالنسبة له مسألة حياة أو موت، فامتلك الطاغية صلابة الحاضنة الدولية والاقليمية، حتى بات دخول قواته حلب رمزا من رموز التعاون والتعاضد بينه وبين حلفائه.

بينما الطرف المقابل لا مشروع لديهم، ووسائلهم الامم المتحدة ومجلس الأمن، ومحكمة الجنايات الدولية، والقانون الدولي، ومنظمات حقوق الانسان والحيوان والطبيعة. كما وضعوا كل ثقتهم في الولايات المتحدة التي اشترطت تنحي الطاغية عن السلطة، لكنها تخلت عن هذا الشرط، بل تخلت عن كل سوريا فلقي العرب أنفسهم على الهامش.

كما كانت فصائل المجاهدين تحت إمرة أجندات مختلفة وآراء متناحرة، فتشظت وتناحرت في ما بينها، حتى بات القتال بينهم على الإمارة والسلطة في هذا المكان وذاك، أكثر شراسة من القتال ضد قوات النظام وحلفائه وأتباعه وأنصاره. وها هو الطاغية اليوم بات أكثر إصرارا من قبل للبقاء على رأس السلطة حتى لو كانت هزيلة ومخجلة، بعد أن دمر نصف مساحة سوريا، وقتل مئات الآلاف من شعبه، وبات 80 بالمئة من الاراضي السورية خارج سيطرته.

لكن حلب ستكون له ولحلفائه دافعا لمزيد من التغول والتدمير وسفك الدماء في المناطق الأخرى، كي يعلن هو وحلفاؤه انتصارهم، لانها كانت ذات رمزية كبيرة أمام الشعب السوري عامة وحواضن المجاهدين خاصة، وبالخروج منها انتهى حلم التحدي أو البقاء في حالة سيطرة على هذه البقعة أو تلك.

نقول ذلك ليس يأسا بل قراءة سياسية لوقائع باتت واضحة على الأرض. صحيح أن المعارضة لازالت بيدها أدلب وبعض المناطق في درعا وريف دمشق ودير الزور وغيرها، لكن التاريخ يقول باستحالة المقاومة من دون وجود حواضن دولية أو إقليمية، خصوصا في هذا الوقت بالذات. كانت حواضن المجاهدين دولا عربية إضافة إلى تركيا، بينما كان الحاضن الدولي، الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، ليس لديه الرغبة في دخول الساحة، لاعتبارات ذاتية وموضوعية.

عندها اعتبرت تركيا هي الرهان الأبرز والوحيد حتى بالنسبة للدول العربية الداعمة للمجاهدين، على اعتبار أن حدودها مع سوريا طويلة، وهي الطريق الوحيدة لتقديم المساعدات ووصول الدعم، لكن تركيا قبل الانقلاب هي غيرها بعده.

ففي لقاء بطرسبرغ الذي جمع الرئيسين التركي والروسي، وافقت القيادة الروسية على إعطاء منطقة عازلة لتركيا في شمال سوريا، وسُمح للقوات التركية بتنظيف غرب الفرات من القوى الكردية، مقابل تخلي الاخيرة عن دعم الثوار في حلب وسحب كافة الفصائل المؤيدة لها من جنوب المدينة إلى تركيا.

هنا أبلغت تركيا الثوار بأن من يريد منهم الالتحاق بالمنطقة العازلة والانضواء تحت إمرتها فهو مرحب به، وهو ما سمح للنظام السوري وحلفائه بإعادة تطويق حلب. كما اعتذرت أنقرة للدول العربية الداعمة للثوار، بأنها لن تستطيع نقل المساعدات وتقديم الدعم العسكري واللوجستي عبر أراضيها.

علما بأن تركيا كحاضنة للثوار كانت في الاساس خيار الضرورة، لأن وضعها السياسي والاقتصادي والأمني لا يجعلها حليفا موثوقا به، فالتحديات التي تواجهها كبيرة وخطيرة. لديها تمرد كردي في الجنوب يؤرقها، وخروقات أمنية وصلت إلى مستوى ضربات عنف في العمق، وأزمة لاجئين كبرى مع أوروبا، وثلاثة ملايين لاجئ سوري على أراضيها. كل هذه العوامل تجعل منها طرفا يمكن أن يتخلى بسهولة عن حلفائه، ويغير وجهة بوصلته السياسية حينما يجد حلا لمشاكله مع الطرف الآخر.

وهذه ليست سُبّة للنظام الحاكم في أنقرة، بل هو فعل مبرر في علم السياسة أن تبحث الدول عن مصالحها.

وماذا بعد حلب؟ نقول لقد تقاسمت الاطراف الاقليمية والدولية المكاسب السياسية والاقتصادية والعسكرية في سوريا، وأن خريطة نفوذ جديدة بواقع جيوسياسي آخر قد رسموها في ما بينهم. كما أن المرحلة المقبلة هي حراكات سياسية اكثر منها عسكرية، وربما يكون مؤتمر كازاخستان المقبل هو مائدة وضع النقاط على الحروف وترتيب المواضيع جميعها في إطار جديد.

أما الحكومة والمعارضة فواهم من يظن أنه ربح معركة حلب، فلا يوجد رابح أو خاسر إطلاقا بل كل الاطراف خاسرة. كما أن الدولة السورية لن تعود بعد الآن بالشكل الذي كانت عليه موحدة سياسيا وجغرافيا. يمكن للاطراف الاقليمية والدولية، سواء روسيا أو تركيا أو إيران، حساب أرباحها وخسائرها أما الشعب السوري فكله خاسر. وستكون حلب بعد الحادث الاخير ورقة مهمة بيد بوتين للتفاوض مع الرئيس الامريكي القادم ترامب، وستكون ورقة بيد الايرانيين لتعزيز تواجدهم في ملفات عربية اخرى. تركيا هي أقل الاطراف مكسبا من بعد معركة حلب. صحيح أنها ضمنت لها موقعا في شمال سوريا، لكنه حصة صغيرة أقل بكثير مما كان يأمله أردوغان، لكنهم يقولون شيء صغير أحسن من لا شيء.

م.ج

أخر تعديل: 12 26 2016 07:36 م


لا يوجد اى تعليق

اضافة تعليق لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المشار إليها إلزامية *